الله أكبر كبيرا

كتاب جواهر القرآن أبو حامد الغزالي مكتبة العلوم الشاملة /مكتبة العلوم الشاملة /https://sluntt.blogspot.com/
حمل واقرأ ................................................................................................................. .............................................................................................................. .............................................................................................................

قراءة المصحف كاملا بصيغة وورد ومعه حمل المصحف بكل الصيغ  حمل المصحف:بونط كبير

باب في اليقين والتوكل تطريز رياض الصالحين /ج1.الكامل في اللغة/الجزء الأول /ج2.الكامل في اللغة/الجزء الثاني /ج3.الكامل في اللغة/الجزء الثالث /الكامل في اللغة/الجزء الرابع /الكامل في اللغة/الجزء الخامس /الكامل في اللغة/الجزء السادس /الكامل في /اللغة/الجزء السابع /الجزء 8. الكامل في اللغة /علل التثنية لابن جني /الفية ابن مالك /ابن هشام الأنصاري، من أئمة اللغة العربية /ج1.الكتاب (سيبويه)/المقدمة وج1 وج2. /تخريجات أحاديث الطلاق متنا وسندا مشمولة /فقه السنة تحقيق الشيالالباني /رياض الصالحين /فهرس رواة مسند الإمام أحمد /غاية المرام في تخريج أحاديث الحلال والحرام /المصطلحات الأربعة في القرآن /إغاثة اللهفان في مصائد الشيطان* /البرهان في رد البهتان والعدوان - أحاديث المزارعة/تصحيح حديث إفطار الصائم قبل سفره بعد الفجر /الحديث النبوي مصطلحه ، بلاغته ، كتبه /كتاب العلم للنسائي /قاموس الصناعات الشامية /تأسيس الأحكام /صيد الخاطر /صحيح الجامع الصغير وزيادته (الفتح الكبير) وضعيفه {... /صحيح سنن ابن ماجة {3--اجزاء} + ج4. ضعيف سنن ابن ماجهسنن أبي داود  /{3 اجزاء الصحيح } و{الجزء4.ضعيفه} /صحيح الأدب المفرد.البخاري وج2.{وضعيفه} /صحيح الترغيب /والترهيب{ج1 و2 و3.} +ضعيفه /تحقيق إرواء الغليل للالباني8ج  طبيعة 1. / /طلبعة 3 ................ .

الأحد، 25 يوليو 2021

الحكم فيمن ثقلت حسناته على سيئاته بحسنة أو بحسنات

  ( الحكم فيمن ثقلت حسناته على سيئاته بحسنة أو بحسنات )

قال القرطبي وغيره : من ثقلت حسناته على سيئاته ، ولو بصؤابة دخل الجنة ، ومن كانت سيئاته أثقل ولو بصؤابة دخل النار ، إلا أن يعفو الله سبحانه عنه ، ومن استوت حسناته وسيئاته فهو من أهل الأعراف . وروي مثل هذا عن ابن مسعود ، رضي الله عنه .

قلت : يشهد له قوله تعالى : إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما [ النساء : 40 ] لكن ما الحكم فيمن ثقلت حسناته على سيئاته بحسنة أو بحسنات؟ هل يدخل الجنة فيرتفع في [ ص: 517 ] درجاتها بجميع حسناته ، وتكون قد أحبطت السيئات التي وازنتها وقابلتها؟ أو يرتفع بما بقي له من الحسنات الراجحة على السيئات ، وتكون السيئات قد أسقطت ما وازنها من الحسنات ، فأبطلتها؟ وكذلك إذا رجحت سيئاته على حسناته بسيئة أو بسيئات ، هل يعذب في النار بجميع سيئاته ، أو بما رجح على حسناته من سيئاته ؟ ..

.....................................

قوله تعالى : إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما

قوله تعالى : إن الله لا يظلم مثقال ذرة أي لا يبخسهم ولا ينقصهم من ثواب عملهم وزن ذرة بل يجازيهم بها ويثيبهم عليها . والمراد من الكلام أن الله تعالى لا يظلم قليلا ولا كثيرا ؛ كما قال تعالى : إن الله لا يظلم الناس شيئا . والذرة : النملة الحمراء ؛ عن ابن عباس وغيره ، وهي أصغر النمل . وعنه أيضا رأس النملة . وقال يزيد بن هارون : زعموا أن الذرة ليس لها وزن . ويحكى أن رجلا وضع خبزا حتى علاه الذر مقدار ما يستره ثم وزنه فلم يزد على وزن الخبز شيئا .

قلت : والقرآن والسنة يدلان على أن للذرة وزنا ؛ كما أن للدينار ونصفه وزنا . والله أعلم . وقيل : الذرة الخردلة ؛ كما قال تعالى : فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها . وقيل غير هذا ، وهي في الجملة عبارة عن أقل الأشياء وأصغرها . وفي صحيح مسلم عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله لا يظلم مؤمنا حسنة يعطى بها في الدنيا ويجزى بها في الآخرة وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل لله بها في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يجزى بها .

قوله تعالى : وإن تك حسنة يضاعفها أي يكثر ثوابها . وقرأ أهل الحجاز " حسنة " بالرفع ، والعامة بالنصب ؛ فعلى الأول " تك " بمعنى تحدث ، فهي تامة . وعلى الثاني هي الناقصة ، أي إن تك فعلته حسنة . وقرأ الحسن " نضاعفها " بنون العظمة . والباقون بالياء ، وهي [ ص: 171 ] أصح ؛ لقوله ويؤت . وقرأ أبو رجاء " يضعفها " ، والباقون " يضاعفها " وهما لغتان معناهما التكثير . وقال أبو عبيدة : " يضاعفها " معناه يجعله أضعافا كثيرة ، " ويضعفها " بالتشديد يجعلها ضعفين . من لدنه من عنده . وفيه أربع لغات : لدن ولدن ولد ولدى ؛ فإذا أضافوه إلى أنفسهم شددوا النون ، ودخلت عليه " من " حيث كانت " من " الداخلة لابتداء الغاية و " لدن " كذلك ، فلما تشاكلا حسن دخول " من " عليها ؛ ولذلك قال سيبويه في لدن : إنه الموضع الذي هو أول الغاية . أجرا عظيما يعني الجنة . وفي صحيح مسلم من حديث أبي سعيد الخدري الطويل - حديث الشفاعة - وفيه : حتى إذا خلص المؤمنون من النار فوالذي نفسي بيده ما منكم من أحد بأشد مناشدة لله في استقصاء الحق من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار يقولون ربنا كانوا يصومون معنا ويصلون ويحجون فيقال لهم أخرجوا من عرفتم فتحرم صورهم على النار فيخرجون خلقا كثيرا قد أخذت النار إلى نصف ساقيه وإلى ركبتيه ثم يقولون ربنا ما بقي فيها أحد ممن أمرتنا به فيقول جل وعز ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير فأخرجوه فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون ربنا لم نذر فيها أحدا ممن أمرتنا به ثم يقول ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار من خير فأخرجوه فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون ربنا لم نذر فيها ممن أمرتنا أحدا ثم يقول ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون ربنا لم نذر فيها خيرا . وكان أبو سعيد الخدري يقول : إن لم تصدقوني بهذا الحديث فاقرءوا إن شئتم إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما وذكر الحديث . وروي عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : يؤتى بالعبد يوم القيامة فيوقف وينادي مناد على رءوس الخلائق هذا فلان بن فلان من كان له عليه حق فليأت إلى حقه ثم يقول آت هؤلاء حقوقهم فيقول يا رب من أين لي وقد ذهبت الدنيا عني فيقول الله تعالى للملائكة انظروا إلى أعماله الصالحة فأعطوهم منها فإن بقي مثقال ذرة من حسنة قالت الملائكة يا رب - وهو أعلم بذلك منهم - قد أعطي لكل ذي حق حقه وبقي مثقال ذرة من حسنة فيقول الله تعالى للملائكة ضعفوها لعبدي وأدخلوه بفضل رحمتي الجنة ومصداقه " إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها " - وإن كان عبدا شقيا قالت الملائكة إلهنا فنيت حسناته وبقيت سيئاته وبقي طالبون كثير فيقول تعالى خذوا من سيئاتهم فأضيفوها إلى سيئاته ثم صكوا له صكا إلى النار . فالآية على هذا التأويل في الخصوم ، وأنه تعالى لا يظلم مثقال ذرة للخصم على الخصم يأخذ له منه ، ولا يظلم مثقال ذرة تبقى له بل يثيبه عليها ويضعفها له ؛ فذلك قوله تعالى : وإن تك حسنة يضاعفها . وروى أبو هريرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن الله سبحانه يعطي عبده [ ص: 172 ] المؤمن بالحسنة الواحدة ألفي ألف حسنة وتلا إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما . قال عبيدة : قال أبو هريرة : وإذا قال الله أجرا عظيما فمن الذي يقدر قدره ! وقد تقدم عن ابن عباس وابن مسعود : أن هذه الآية إحدى الآيات التي هي خير مما طلعت عليه الشمس .

قوله تعالى إن الله لا يظلم مثقال ذرة
 

بيان كون الميزان له كفتان حسيتان مشاهدتان

بيان كون الميزان له كفتان حسيتان مشاهدتان

قال الإمام أحمد : حدثنا إبراهيم بن إسحاق الطالقاني ، حدثنا ابن المبارك ، عن ليث بن سعد ، حدثني عامر بن يحيى ، عن أبي عبد الرحمن الحبلي ، واسمه عبد الله بن يزيد : سمعت عبد الله بن عمرو يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله تعالى يستخلص رجلا من أمتي على رءوس الخلائق يوم القيامة ، فينشر عليه تسعة وتسعين سجلا ، كل سجل مد البصر ، ثم يقول له : أتنكر من هذا شيئا؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ قال : لا يا رب . فيقول : ألك عذر ، أو حسنة؟ فيبهت الرجل ، فيقول : لا يا رب . فيقول : بلى ، إن لك عندنا حسنة واحدة ، لا ظلم عليك اليوم . فتخرج له بطاقة ، فيها : أشهد أن لا إله [ ص: 500 ] إلا الله ، وأن محمدا عبده ورسوله . فيقول : أحضروه . فيقول : يا رب ، ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟! فيقول : إنك لا تظلم . قال : فتوضع السجلات في كفة ، والبطاقة في كفة . قال : فطاشت السجلات ، وثقلت البطاقة ، ولا يثقل شيء مع اسم الله الرحمن الرحيم " . وهكذا رواه الترمذي ، وابن ماجه ، وابن أبي الدنيا ، من حديث الليث - زاد الترمذي : وابن لهيعة - كلاهما عن عامر بن يحيى ، به . قال الترمذي : حسن غريب .

سياق آخر لهذا الحديث : قال الإمام أحمد : حدثنا قتيبة ، حدثنا ابن لهيعة ، عن عمرو بن يحيى ، عن أبي عبد الرحمن الحبلي ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " توضع الموازين يوم القيامة ، فيؤتى بالرجل ، فيوضع في كفة ، فيوضع ما أحصي عليه ، فيتمايل به الميزان ، [ ص: 501 ] قال : فيبعث به إلى النار ، قال : فإذا أدبر به ، إذا صائح من عند الرحمن تعالى ، يقول : لا تعجلوا ، لا تعجلوا ، فإنه قد بقي له . فيؤتى ببطاقة فيها : لا إله إلا الله . فتوضع مع الرجل في كفة ، حتى يميل به الميزان " . وهذا السياق فيه غرابة ، فيه فائدة جليلة; وهي أن العامل يوزن مع عمله .

وقال ابن أبي الدنيا : حدثنا أحمد بن محمد بن البراء المقرئ ، حدثنا يعلى بن عبيد ، عن عبد الرحمن بن زياد ، عن أبي عبد الرحمن ، عن عبد الله بن عمرو - رفعه - قال : " يؤتى برجل يوم القيامة إلى الميزان ، فيخرج له تسعة وتسعون سجلا ، كل سجل منها مد البصر ، فيها ذنوبه وخطاياه ، فتوضع في كفة ، ثم يخرج له قرطاس مثل الأنملة ، فيه شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا عبده ورسوله ، فتوضع في الكفة الأخرى ، فترجح بخطاياه " .

وقال ابن أبي الدنيا : حدثنا أبو عبيد القاسم بن سلام ، حدثنا حجاج ، عن فطر بن خليفة ، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن سابط قال : لما حضر أبا بكر الموت أرسل إلى عمر ، فقال : إنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتباعهم الحق في الدنيا ، وثقله عليهم ، وحق لميزان إذا وضع فيه الحق غدا أن يكون ثقيلا ، وإنما خفت موازين من خفت موازينه يوم القيامة باتباعهم الباطل في الدنيا ، وخفته عليهم ، وحق لميزان إذا وضع فيه الباطل غدا أن يكون خفيفا .

[ ص: 502 ] وقال الإمام أحمد : عن سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن ابن أبي مليكة ، عن يعلى بن مملك ، عن أم الدرداء ، عن أبي الدرداء ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أثقل شيء يوضع في الميزان خلق حسن " .

وقد وردت الأحاديث بوزن الأعمال أنفسها ، كما في " صحيح مسلم " ، من طريق أبي سلام ، عن أبي مالك الأشعري ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " الطهور شطر الإيمان ، والحمد لله تملأ الميزان ، وسبحان الله والحمد لله تملآن ما بين السماوات والأرض ، والصلاة نور ، والصدقة برهان ، والصبر ضياء ، والقرآن حجة لك أو عليك ، كل الناس يغدو ، فبائع نفسه فمعتقها ، أو موبقها " . فقوله : " والحمد لله تملأ الميزان " . فيه دلالة على أن العمل نفسه يوزن ، وذلك بأحد شيئين؟ إما أن العمل نفسه وإن كان عرضا قد قام بالفاعل ، يحيله الله تعالى يوم القيامة ، فيجعله ذاتا توضع في الميزان ، كما ورد في الحديث الذي رواه ابن أبي الدنيا : حدثنا أبو خيثمة ، ومحمد بن سليمان ، وغيرهما ، قالوا : حدثنا سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن ابن أبي مليكة ، عن يعلى بن مملك ، عن أم الدرداء ، عن أبي الدرداء ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أثقل شيء يوضع في الميزان خلق حسن " .

[ ص: 503 ] وكذا رواه الإمام أحمد ، عن سفيان بن عيينة به . ورواه أحمد ، عن غندر ، ويحيى بن سعيد ، عن شعبة ، عن القاسم بن أبي بزة ، عن عطاء الكيخاراني ، عن أم الدرداء ، عن أبي الدرداء ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ما من شيء أثقل في الميزان من خلق حسن " . وقد رواه الإمام أحمد أيضا من حديث الحسن بن مسلم ، عن عطاء ، وأخرجه أبو داود من حديث شعبة ، به ، والترمذي من حديث مطرف ، عن عطاء الكيخاراني ، به .

وقال الإمام أحمد : حدثنا عفان ، حدثنا أبان ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن زيد ، عن أبي سلام ، عن مولى لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " بخ بخ لخمس ، ما أثقلهن في الميزان : لا إله إلا الله ، والله أكبر ، وسبحان الله ، والحمد لله ، والولد الصالح يتوفى فيحتسبه والده . وقال : بخ بخ لخمس ، من لقي الله مستيقنا بهن دخل الجنة : يؤمن بالله ، واليوم الآخر ، وبالجنة والنار ، وبالبعث بعد الموت ، والحساب " . انفرد به أحمد .

[ ص: 504 ] وكما ثبت في الحديث الآخر : " تأتي البقرة وآل عمران يوم القيامة كأنهما غمامتان ، أو غيايتان ، أو فرقان من طير صواف ، يحاجان عن صاحبهما " . والمراد من ذلك ثواب تلاوتهما يصير يوم القيامة كذلك ، وقيل : إنهما بذاتهما يحاجان عنه ، لا ثوابهما .

الأمر الثاني : إن العمل نفسه يوزن بوضع الصحيفة التي كتب فيها العمل ، فيوزن العمل بالصحيفة ، كما في حديث البطاقة . والله أعلم .

وقد جاء أن العامل نفسه يوزن ، كما قال البخاري : حدثنا محمد بن عبد الله ، حدثنا سعيد بن أبي مريم ، أخبرنا المغيرة ، حدثني أبو الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة " . وقال : اقرءوا إن شئتم : فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا [ الكهف : 105 ] . قال البخاري : وعن يحيى بن بكير ، عن المغيرة بن عبد الرحمن ، عن أبي الزناد ، مثله . وقد أسند مسلم ما علقه البخاري ، عن أبي بكر محمد بن إسحاق ، عن يحيى بن بكير ، فذكره . وقد روي من وجه آخر عن أبي هريرة; فقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي " حدثنا أبو [ ص: 505 ] الوليد ، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد ، عن صالح مولى التوأمة ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يؤتى بالرجل الأكول الشروب العظيم ، فيوزن بحبة فلا يزنها " . قال : وقرأ : فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا .

ورواه ابن جرير ، عن أبي كريب ، عن ابن الصلت ، عن ابن أبي الزناد ، عن صالح " عن أبي هريرة ، مرفوعا بلفظ البخاري سواء ، وقد قال البزار : حدثنا العباس بن محمد ، حدثنا عون بن عمارة ، حدثنا هشام بن حسان ، عن واصل ، عن عبد الله بن بريدة ، عن أبيه ، قال : كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأقبل رجل من قريش يخطر في حلة له ، فلما قام على النبي صلى الله عليه وسلم قال : " يا بريدة ، هذا ممن لا يقيم الله له يوم القيامة وزنا " . ثم قال : تفرد به عون بن عمارة ، وليس بالحافظ ، ولم يتابع عليه .

قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الصمد ، وحسن بن موسى ، قالا : حدثنا حماد ، عن عاصم ، عن زر بن حبيش ، عن ابن مسعود ، أنه كان يجتني سواكا من الأراك ، وكان دقيق الساقين ، فجعلت الريح تكفئه ، فضحك القوم منه ، [ ص: 506 ] فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " مم تضحكون ؟ " قالوا : يا نبي الله ، من دقة ساقه . فقال : " والذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من أحد " . تفرد به أحمد ، وإسناده جيد قوي ، فقد جاءت الروايات بهذه الصفات .

وفي " مسند أحمد " في بعض طرق حديث البطاقة ، من طريق ابن لهيعة; أن العامل يوزن مع عمله وصحيفته . والله أعلم بالصواب .

وقال الإمام أحمد : حدثنا عفان ، حدثنا القاسم بن الفضل ، قال : قال الحسن : قالت عائشة : يا رسول الله ، هل تذكرون أهليكم يوم القيامة؟ قال : " أما في مواطن ثلاثة فلا : الكتاب ، والميزان ، والصراط " .

فقوله : " الكتاب " يحتمل أن يكون كتاب الأعمال ليشهد على الأنفس بأعمالها ، ويحتمل أن يكون ذلك عند تطاير الصحف في أيدي الناس فآخذ بيمينه ، وآخذ بشماله ، كما قال البيهقي : أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد بن علي المقرئ ، أخبرنا الحسن بن محمد بن إسحاق ، حدثنا يوسف بن يعقوب القاضي ، حدثنا محمد بن منهال ، حدثنا يزيد بن زريع ، حدثنا يونس بن عبيد ، عن الحسن ، أن عائشة ذكرت النار فبكت ، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما [ ص: 507 ] يبكيك يا عائشة؟ " قالت : ذكرت النار فبكيت ; هل تذكرون أهليكم يوم القيامة؟ قال : أما في ثلاثة مواطن فلا يذكر أحد أحدا : حيث يوضع الميزان; حتى يعلم أيثقل ميزانه أم يخف ، وحيث يقول : هاؤم اقرءوا كتابيه [ الحاقة : 19 ] . حيث تطاير الصحف ، حتى يعلم كتابه في يمينه ، أو في شماله ، أو من وراء ظهره ، وحيث يوضع الصراط على جسر جهنم " . قال يونس : أشك هل قال الحسن : حافتاه كلاليب وحسك ، يحبس الله به من يشاء من خلقه ، حتى يعلم أينجو أم لا ينجو؟ .

ثم قال البيهقي : أخبرنا الروذباري ، أخبرنا ابن داسة ، حدثنا أبو داود ، حدثنا يعقوب بن إبراهيم ، وحميد بن مسعدة ، أن إسماعيل بن إبراهيم حدثهم ، قال : أخبرنا يونس ، عن الحسن ، عن عائشة ، أنها ذكرت النار فبكت ، وذكر الحديث بنحوه ، إلا أنه قال : " وعند الكتاب ، حين يقال : هاؤم اقرءوا كتابيه . حتى يعلم أين يقع كتابه ، أفي يمينه أم في شماله ، أم من وراء ظهره ، وعند الصراط ، إذا وضع بين ظهري جهنم " . قال يعقوب عن يونس : وهذا لفظ حديثه .

طريق أخرى عن عائشة ، رضي الله عنها : قال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن إسحاق ، أخبرنا ابن لهيعة ، عن خالد بن أبي عمران ، عن القاسم بن محمد ، عن عائشة ، قالت : قلت : يا رسول الله ، هل يذكر الحبيب حبيبه يوم [ ص: 508 ] القيامة؟ قال : " يا عائشة ، أما عند ثلاث فلا; أما عند الميزان حتى يثقل أو يخف فلا ، وأما عند تطاير الكتب ، فإما أن يعطى بيمينه أو يعطى بشماله فلا ، ثم حين يخرج عنق من النار فينطوي عليهم ، ويتغيظ عليهم ، ويقول ذلك العنق : وكلت بثلاثة ، وكلت بمن ادعى مع الله إلها آخر ، ووكلت بمن لا يؤمن بيوم الحساب ، ووكلت بكل جبار عنيد " . قال : " فينطوي عليهم ، ويرمي بهم في غمرات ، ولجهنم جسر أدق من الشعر ، وأحد من السيف ، عليه كلاليب وحسك ، تأخذ من شاء الله ، والناس عليه كالطرف ، وكالبرق ، وكالريح ، وكأجاويد الخيل والركاب ، والملائكة يقولون : رب سلم ، رب سلم . فناج مسلم ، ومخدوش مسلم ، ومكور في النار على وجهه " .

وتقدم من رواية حرب بن ميمون ، عن النضر بن أنس ، عن أنس ، أنه قال : اشفع لي يا رسول الله ، قال : " أنا فاعل " . قال : فأين أطلبك؟ قال : " اطلبني أول ما تطلبني عند الصراط " . قال : فإن لم ألقك؟ قال : " فعند الحوض " . قال : فإن لم ألقك؟ قال : " فعند الميزان؟ فإني لا أخطئ هذه الثلاثة مواطن يوم القيامة " . رواه أحمد والترمذي .

[ ص: 509 ] وقال الحافظ البيهقي : أخبرنا أبو سهل أحمد بن محمد بن إبراهيم المهراني ، حدثنا أحمد بن سلمان الفقيه ببغداد ، حدثنا الحارث بن محمد ، حدثنا داود بن المحبر ، حدثنا صالح المري ، عن جعفر بن زيد ، عن أنس بن مالك ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " يؤتى بابن آدم يوم القيامة ، فيوقف بين كفتي الميزان ، ويوكل به ملك ، فإن ثقل ميزانه نادى الملك بصوت يسمع الخلائق : سعد فلان سعادة لا يشقى بعدها أبدا . وإن خف ميزانه نادى الملك بصوت يسمع الخلائق : شقي فلان شقاوة لا يسعد بعدها أبدا " . ثم مال : إسناده ضعيف بمرة .

وقد رواه الحافظان البزار ، وابن أبي الدنيا ، عن إسماعيل بن أبي الحارث ، عن داود بن المحبر ، حدثنا صالح المري ، عن ثابت البناني ، وجعفر بن زيد ، زاد البزار : ومنصور بن زاذان ، عن أنس بن مالك ، - يرفعه ، بنحوه . وقال عبد الله بن المبارك : حدثنا مالك بن مغول ، عن عبيد الله بن العيزار ، قال؟ عند الميزان ملك إذا وزن العبد نادى : ألا إن فلان ابن فلان ثقلت موازينه ، وسعد سعادة لا يشقى بعدها أبدا ، ألا إن فلان ابن فلان خفت موازينه ، وشقي شقاوة لا يسعد بعدها أبدا .

[ ص: 510 ] وقال ابن أبي الدنيا : حدثنا يوسف بن موسى ، حدثنا الفضل بن دكين ، حدثنا يوسف بن صهيب ، حدثنا موسى بن أبي المختار ، عن بلال العبسي ، عن حذيفة ، قال : صاحب الميزان يوم القيامة جبريل ، يرد بعضهم على بعض ، ولا ذهب يومئذ ولا فضة . قال : فيؤخذ من حسنات الظالم ، فإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات المظلوم ، فردت على الظالم .

وقال أبو بكر بن أبي الدنيا : حدثنا محمد بن العباس بن محمد ، حدثنا عبد الله بن صالح العجلي ، حدثنا أبو الأحوص ، قال : افتخرت قريش عند سلمان ، فقال سلمان : لكني خلقت من نطفة قذرة ، ثم أعود جيفة منتنة ، ثم يؤتى بي إلى الميزان ، فإن ثقلت فأنا كريم ، وإن خفت فأنا لئيم . قال أبو الأحوص : تدري من أي شيء يخاف؟ إذا ثقلت ميزان عبد نودي في مجمع فيه الأولون والآخرون : ألا إن فلان ابن فلان قد سعد سعادة لا يشقى بعدها أبدا ، وإذا خفت ميزانه نودي على رءوس الخلائق : ألا إن فلان ابن فلان قد شقي شقاوة لا يسعد بعدها أبدا .

وقال البيهقي : حدثنا أبو الحسن علي بن أبي علي السقاء ، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ، حدثنا محمد بن عبيد الله المنادي ، حدثنا يونس بن [ ص: 511 ] محمد ، حدثنا المعتمر بن سليمان ، عن أبيه ، عن يحيى بن يعمر ، عن ابن عمر ، عن عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، في حديث الإيمان ، قال : يا محمد ، ما الإيمان ، قال : " الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ، وتؤمن بالجنة والنار والميزان ، وتؤمن بالبعث بعد الموت ، وتؤمن بالقدر خيره وشره " . قال : فإذا فعلت هذا فأنا مؤمن؟ قال : " نعم " . قال : صدقت . وقال شعبة : عن الأعمش ، عن شمر بن عطية ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله ، هو ابن مسعود ، قال : للناس عند الميزان تجادل وزحام .

وقال ابن أبي الدنيا : حدثنا أبو نصر التمار ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن ثابت البناني ، عن أبي عثمان النهدي ، عن سلمان الفارسي ، قال : يوضع الميزان وله كفتان ، لو وضع في إحداهما السماوات والأرض وما فيهن لوسعتها ، فتقول الملائكة : يا ربنا من يزن بهذا؟ فيقول تعالى : من شئت من خلقي . فيقولون : ربنا ، ما عبدناك حق عبادتك .

وقال ابن أبي الدنيا : حدثنا يوسف بن موسى : حدثنا مسلم بن إبراهيم ، حدثنا حماد بن زيد ، حدثنا أبو حنيفة ، عن حماد ، عن إبراهيم ، في قوله تعالى : ونضع الموازين القسط ليوم القيامة [ الأنبياء : 47 ] . قال : يجاء بعمل الرجل فيوضع في كفة ميزانه ، ويجاء بشيء مثل الغمامة ، أو مثل السحاب كثرة فيوضع في كفة أخرى في ميزانه ، فيرجح ، فيقال : أتدري ما هذا؟ هذا العلم [ ص: 512 ] الذي تعلمته ، وعلمته الناس ، فعلموه وعملوا به بعدك .

وقال ابن أبي الدنيا : حدثنا أحمد بن محمد ، حدثنا علي بن إسحاق ، حدثنا ابن المبارك ، عن أبي بكر الهذلي ، قال : قال سعيد بن جبير وهو يحدث ذاك عن ابن مسعود ، قال : يحاسب الناس يوم القيامة ، فمن كانت حسناته أكثر من سيئاته بواحدة دخل الجنة ، ومن كانت سيئاته أكثر من حسناته بواحدة دخل النار . ثم قرأ : فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم [ المؤمنون : 102 ، 103 ] . ثم قال؟ إن الميزان يخف بمثقال حبة من خردل أو يرجح .

وقال ابن أبي الدنيا : حدثنا هارون بن سفيان ، حدثنا السهمي ، حدثنا عباد بن شيبة ، عن سعيد بن أنس ، عن الحسن ، قال : يعتذر الله يوم القيامة إلى آدم ثلاث معاذير ، يقول : يا آدم ، لولا أني لعنت الكاذبين ، وأبغض الكذب والخلف ، لرحمت ذريتك اليوم من شدة ما أعددت لهم من العذاب ، ولكن حق القول مني لمن كذب رسلي وعصى أمري ، لأملأن جهنم منهم أجمعين . ويا آدم ، اعلم أني لا أعذب بالنار أحدا من ذريتك ، وأدخل النار أحدا منهم إلا من قد علمت في علمي أنه لو رددته إلى الدنيا لعاد إلى شر مما كان عليه ، ولن يرجع . ويا آدم ، أنت اليوم عدل بيني وبين ذريتك ، قم عند الميزان ، فانظر ما يرجع إليك من أعمالهم ، فمن رجح خيره على شره مثقال ذرة فله الجنة ، حتى تعلم أني لا أعذب إلا كل ظالم .

[ ص: 513 ] وقال ابن أبي الدنيا : حدثنا محمد بن يوسف بن الصباح ، حدثنا عبد الله بن وهب ، عن معاوية بن صالح ، عن أبي عبد الرحمن ، عن أبي أمامة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إذا كان يوم القيامة قامت ثلة من الناس ، يسدون الأفق ، نورهم كنور الشمس ، فيقال : للنبي الأمي . فيتحسس لها كل نبي ، فيقال : محمد وأمته . ثم تقوم ثلة أخرى تسد ما بين الأفق ، نورهم كنور القمر ليلة البدر ، فيقال : للنبي الأمي . فيتحسس لها كل نبي ، فيقال : محمد وأمته . ثم تقوم ثلة أخرى ، نورهم مثل كل كوكب في السماء ، فيقال : للنبي الأمي . فيتحسس لها كل نبي ، فيقال : محمد وأمته . ثم يجيء الرب تعالى ، فيقول : هذا لك مني يا محمد ، وهذا لك مني يا محمد . ثم يوضع الميزان ، ويؤخذ في الحساب "
 . ................................................




قوله : وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض ونفخ في الصور فجمعناهم جمعا وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري وكانوا لا يستطيعون سمعا أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء إنا أعتدنا جهنم للكافرين نزلا قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا ذلك جزاؤهم جهنم بما كفروا واتخذوا آياتي ورسلي هزوا إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا خالدين فيها لا يبغون عنها حولا قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا

[ ص: 435 ] قوله تعالى : وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض الضمير في تركنا لله - تعالى - ; أي تركنا الجن والإنس يوم القيامة يموج بعضهم في بعض . وقيل : تركنا يأجوج ومأجوج يومئذ أي وقت كمال السد يموج بعضهم في بعض . واستعارة الموج لهم عبارة عن الحيرة وتردد بعضهم في بعض ، كالمولهين من هم وخوف ; فشبههم بموج البحر الذي يضطرب بعضه في بعض . وقيل : تركنا يأجوج ومأجوج يوم انفتاح السد يموجون في الدنيا مختلطين لكثرتهم . قلت : فهذه ثلاثة أقوال أظهرها أوسطها ، وأبعدها آخرها ، وحسن الأول ; لأنه تقدم ذكر القيامة في تأويل قوله - تعالى - : فإذا جاء وعد ربي . والله أعلم .

قوله تعالى : ونفخ في الصور تقدم في الأنعام . فجمعناهم جمعا يعني الجن والإنس في عرصات القيامة .

وعرضنا جهنم أي أبرزناها لهم .

يومئذ للكافرين عرضا الذين كانت أعينهم في موضع خفض نعت للكافرين .

في غطاء عن ذكري أي هم بمنزلة من عينه مغطاة فلا ينظر إلى دلائل الله - تعالى - .

وكانوا لا يستطيعون سمعا أي لا يطيقون أن يسمعوا كلام الله - تعالى - ، فهم بمنزلة من صم .

قوله تعالى : أفحسب الذين كفروا أي ظن . وقرأ علي وعكرمة ومجاهد وابن محيصن أفحسب بإسكان السين وضم الباء ; أي كفاهم .

أن يتخذوا عبادي يعني عيسى والملائكة وعزيرا .

من دوني أولياء ولا أعاقبهم ; ففي الكلام حذف . وقال الزجاج : المعنى ; أفحسبوا أن ينفعهم ذلك .

إنا أعتدنا جهنم للكافرين نزلا قوله تعالى : قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا - الآية - فيه دلالة على أن من الناس من يعمل العمل وهو يظن أنه محسن وقد حبط سعيه ، والذي يوجب إحباط السعي إما فساد الاعتقاد أو المراءاة ، والمراد هنا الكفر . روى البخاري عن مصعب قال : سألت أبيا قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا أهم الحرورية ؟ قال : لا ; هم اليهود والنصارى . وأما اليهود فكذبوا محمدا - صلى الله عليه وسلم - ، وأما النصارى فكفروا بالجنة ، فقالوا : لا طعام فيها ولا شراب ; والحرورية الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ; وكان سعد يسميهم الفاسقين . والآية معناها التوبيخ ; أي قل لهؤلاء الكفرة الذين عبدوا غيري : يخيب سعيهم وآمالهم غدا ; فهم [ ص: 436 ] الأخسرون أعمالا ، وهم الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا في عبادة من سواي .

قال ابن عباس : ( يريد كفار أهل مكة ) . وقال علي : ( هم الخوارج أهل حروراء . وقال مرة : هم الرهبان أصحاب الصوامع ) . وروي أن ابن الكواء سأله عن الأخسرين أعمالا فقال له : أنت وأصحابك . قال ابن عطية : ويضعف هذا كله قوله - تعالى - بعد ذلك : أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم .

وليس من هذه الطوائف من يكفر بالله ولقائه والبعث والنشور ، وإنما هذه صفة مشركي مكة عبدة الأوثان ، وعلي وسعد - رضي الله عنهما - ذكرا أقواما أخذوا بحظهم من هذه الآية . و أعمالا نصب على التمييز . و حبطت قراءة الجمهور بكسر الباء . وقرأ ابن عباس " حبطت " بفتحها .

الثانية : قوله تعالى : فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا قراءة الجمهور نقيم بنون العظمة . وقرأ مجاهد بياء الغائب ; يريد فلا يقيم الله - عز وجل - ، وقرأ عبيد بن عمير " فلا يقوم " ويلزمه أن يقرأ " وزن " وكذلك قرأ مجاهد " فلا يقوم لهم يوم القيامة وزن " . قال عبيد بن عمير : يؤتى يوم القيامة بالرجل العظيم الطويل الأكول الشروب فلا يزن عند الله جناح بعوضة .

قلت : هذا لا يقال مثله من جهة الرأي ، وقد ثبت معناه مرفوعا في صحيحي البخاري ومسلم عن أبي هريرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة اقرءوا إن شئتم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا . والمعنى أنهم لا ثواب لهم ، وأعمالهم مقابلة بالعذاب ، فلا حسنة لهم توزن في موازين القيامة ومن لا حسنة له فهو في النار . وقال أبو سعيد الخدري : يؤتى بأعمال كجبال تهامة فلا تزن شيئا . وقيل : يحتمل أن يريد المجاز والاستعارة ; كأنه قال : فلا قدر لهم عندنا يومئذ ; والله أعلم . وفي هذا الحديث من الفقه ذم السمن لمن تكلفه ، لما في ذلك من تكلف المطاعم والاشتغال بها عن المكارم ، بل يدل على تحريم الأكل الزائد على قدر الكفاية المبتغى به الترفه والسمن . وقد قال - صلى الله عليه وسلم - : إن أبغض الرجال إلى الله - تعالى - الحبر السمين ومن حديث عمران بن حصين عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : خيركم قرني ثم الذين يلونهم - قال عمران فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة - ثم إن من بعدكم قوما يشهدون ولا يستشهدون ويخونون ولا يؤتمنون وينذرون ولا [ ص: 437 ] يوفون ويظهر فيهم السمن وهذا ذم . وسبب ذلك أن السمن المكتسب إنما هو من كثرة الأكل والشره ، والدعة والراحة والأمن والاسترسال مع النفس على شهواتها ، فهو عبد نفسه لا عبد ربه ، ومن كان هذا حاله وقع لا محالة في الحرام ، وكل لحم تولد عن سحت فالنار أولى به ; وقد ذم الله - تعالى - الكفار بكثرة الأكل فقال : والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم فإذا كان المؤمن يتشبه بهم ، ويتنعم بتنعمهم في كل أحواله وأزمانه ، فأين حقيقة الإيمان ، والقيام بوظائف الإسلام ؟ ! ومن كثر أكله وشربه كثر نهمه وحرصه ، وزاد بالليل كسله ونومه ، فكان نهاره هائما ، وليله نائما . وقد مضى في " الأعراف " هذا المعنى ; وتقدم فيها ذكر الميزان ، وأن له كفتين توزن فيهما صحائف الأعمال فلا معنى للإعادة . وقال - عليه الصلاة والسلام - حين ضحكوا من حمش ساق ابن مسعود وهو يصعد النخلة : تضحكون من ساق توزن بعمل أهل الأرض فدل هذا على أن الأشخاص توزن ; ذكره الغزنوي .

قوله تعالى : ذلك جزاؤهم ذلك إشارة إلى ترك الوزن ، وهو في موضع رفع بالابتداء جزاؤهم خبره .

جهنم بدل من المبتدإ الذي هو ذلك .

وما في قوله : بما كفروا مصدرية ، والهزء الاستخفاف والسخرية ; وقد تقدم .

قوله تعالى : إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا قال قتادة : الفردوس ربوة الجنة وأوسطها وأعلاها وأفضلها وأرفعها وقال أبو أمامة الباهلي : الفردوس سرة الجنة . وقال كعب : ليس في الجنان جنة أعلى من جنة الفردوس ; فيها الآمرون بالمعروف ، والناهون عن المنكر . وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من آمن بالله وبرسوله وأقام الصلاة وصام رمضان كان حقا على الله أن يدخله الجنة جاهد في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها قالوا : يا رسول الله أفلا نبشر الناس ؟ قال : إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض فإذا سألتم الله - تعالى - فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة - أراه [ ص: 438 ] قال - وفوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة وقال مجاهد : والفردوس البستان بالرومية . الفراء : هو عربي . والفردوس حديقة في الجنة . وفردوس اسم روضة دون اليمامة . والجمع فراديس ، قال أمية بن أبي الصلت الثقفي :




كانت منازلهم إذ ذاك ظاهرة فيها الفراديس والفومان والبصل

والفراديس موضع بالشام . وكرم مفردس أي معرش .

خالدين فيها أي دائمين .

لا يبغون عنها حولا أي لا يطلبون تحويلا عنها إلى غيرها . والحول بمعنى التحويل ; قاله أبو علي . وقال الزجاج : حال من مكانه حولا كما يقال : عظم عظما . قال : ويجوز أن يكون من الحيلة ، أي لا يحتالون منزلا غيرها . قال الجوهري : التحول التنقل من موضع إلى موضع ، والاسم الحول ، ومنه قوله - تعالى - : خالدين فيها لا يبغون عنها حولا .

قوله تعالى : قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي نفد الشيء إذا تم وفرغ ; وقد تقدم .

ولو جئنا بمثله مددا أي زيادة على البحر عددا أو وزنا . وفي مصحف أبي " مدادا " وكذلك قرأها مجاهد وابن محيصن وحميد . وانتصب مددا على التمييز أو الحال . وقال ابن عباس : قالت اليهود لما قال لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - وما أوتيتم من العلم إلا قليلا قالوا : وكيف وقد أوتينا التوراة ، ومن أوتي التوراة فقد أوتي خيرا كثيرا ؟ فنزلت قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر الآية . وقيل : قالت اليهود إنك أوتيت الحكمة ، ومن أوتي الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ، ثم زعمت أنك لا علم لك بالروح ؟ ! فقال الله - تعالى - قل وإن أوتيت القرآن وأوتيتم التوراة فهي بالنسبة إلى كلمات الله - تعالى - قليلة ، قال ابن عباس : كلمات ربي أي مواعظ ربي . وقيل : عنى بالكلمات الكلام القديم الذي لا غاية له ولا منتهى ، وهو وإن كان واحدا فيجوز أن يعبر عنه بلفظ الجمع لما فيه من فوائد الكلمات ، ولأنه ينوب منابها ، فجازت العبارة عنها بصيغة الجمع تفخيما ; وقال الأعشى :




ووجه نقي اللون صاف يزينه مع الجيد لبات لها ومعاصم


فعبر باللبات عن اللبة . وفي التنزيل نحن أولياؤكم و إنا نحن نزلنا الذكر وإنا لنحن نحيي ونميت وكذلك إن إبراهيم كان أمة لأنه ناب مناب أمة . وقيل : أي ما [ ص: 439 ] نفدت العبارات والدلالات التي تدل على مفهومات معاني كلامه - سبحانه وتعالى - . وقال السدي : أي إن كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد صفات الجنة التي هي دار الثواب . وقال عكرمة : لنفد البحر قبل أن ينفد ثواب من قال لا إله إلا الله . ونظير هذه الآية : ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله . وقرأ حمزة والكسائي " قبل أن ينفد " بالياء لتقدم الفعل .

قوله تعالى : قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أي لا أعلم إلا ما يعلمني الله - تعالى - ، وعلم الله - تعالى - لا يحصى ، وإنما أمرت بأن أبلغكم بأنه لا إله إلا الله .

فمن كان يرجو لقاء ربه أي يرجو رؤيته وثوابه ويخشى عقابه .

فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا قال ابن عباس : نزلت في جندب بن زهير العامري قال : يا رسول الله إني أعمل العمل لله - تعالى - ، وأريد وجه الله - تعالى - ، إلا أنه إذا اطلع عليه سرني ; فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : إن الله طيب ولا يقبل إلا الطيب ولا يقبل ما شورك فيه فنزلت الآية . وقال طاوس قال رجل : يا رسول الله ! إني أحب الجهاد في سبيل الله - تعالى - وأحب أن يرى مكاني فنزلت هذه الآية . وقال مجاهد : جاء رجل للنبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : يا رسول الله ! إني أتصدق وأصل الرحم ولا أصنع ذلك إلا لله - تعالى - فيذكر ذلك مني وأحمد عليه فيسرني ذلك وأعجب به ، فسكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولم يقل شيئا ، فأنزل الله - تعالى - فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا .

قلت : والكل مراد ، والآية تعم ذلك كله وغيره من الأعمال . وقد تقدم في سورة " هود " حديث أبي هريرة الصحيح في الثلاثة الذين يقضى عليهم أول الناس . وقد تقدم في سورة " النساء " الكلام على الرياء ، وذكرنا من الأخبار هناك ما فيه كفاية . وقال الماوردي وقال جميع أهل التأويل : معنى قوله - تعالى - : ولا يشرك بعبادة ربه أحدا إنه لا يرائي بعمله أحدا . وروى الترمذي الحكيم - رحمه الله تعالى - في ( نوادر الأصول ) قال : حدثنا أبي [ ص: 440 ] - رحمه الله تعالى - قال : حدثنا مكي بن إبراهيم قال : حدثنا عبد الواحد بن زيد عن عبادة بن نسي قال : أتيت شداد بن أوس في مصلاه وهو يبكي ، فقلت : ما الذي أبكاك يا أبا عبد الرحمن ؟ قال : حديث سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوما ، إذ رأيت بوجهه أمرا ساءني فقلت : بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما الذي أرى بوجهك ؟ قال : أمرا أتخوفه على أمتي من بعدي قلت : ما هو يا رسول الله ؟ قال : الشرك والشهوة الخفية قلت : يا رسول الله ! وتشرك أمتك من بعدك ؟ قال : يا شداد أما إنهم لا يعبدون شمسا ولا قمرا ولا حجرا ولا وثنا ولكنهم يراءون بأعمالهم قلت : والرياء شرك هو ؟ قال : نعم . قلت : فما الشهوة الخفية ؟ قال : يصبح أحدهم صائما فتعرض له شهوات الدنيا فيفطر قال عبد الواحد : فلقيت الحسن ، فقلت : يا أبا سعيد ! أخبرني عن الرياء أشرك هو ؟ قال : نعم ; أما تقرأ فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا . وروى إسماعيل بن إسحاق قال حدثنا محمد بن أبي بكر قال حدثنا المعتمر بن سليمان عن ليث عن شهر بن حوشب قال : كان عبادة بن الصامت وشداد بن أوس جالسين ، فقالا : إنا نتخوف على هذه الأمة من الشرك والشهوة الخفية ، فأما الشهوة الخفية فمن قبل النساء . وقالا : سمعنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : من صلى صلاة يرائي بها فقد أشرك ومن صام صياما يرائي به فقد أشرك ثم تلا فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا .

قلت : وقد جاء تفسير الشهوة الخفية بخلاف هذا ، وقد ذكرناه في " النساء " . وقال سهل بن عبد الله : وسئل الحسن عن الإخلاص والرياء فقال : من الإخلاص أن تحب أن تكتم حسناتك ولا تحب أن تكتم سيئاتك ، فإن أظهر الله عليك حسناتك تقول هذا من فضلك وإحسانك ، وليس هذا من فعلي ولا من صنيعي ، وتذكر قوله - تعالى - : فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا . والذين يؤتون ما آتوا الآية ; يؤتون الإخلاص ، وهم يخافون ألا يقبل منهم ; وأما الرياء فطلب حظ النفس من [ ص: 441 ] عملها في الدنيا ; قيل لها : كيف يكون هذا ؟ قال : من طلب بعمل بينه وبين الله - تعالى - سوى وجه الله - تعالى - والدار الآخرة فهو رياء . وقال علماؤنا - رضي الله تعالى عنهم - : وقد يفضي الرياء بصاحبه إلى استهزاء الناس به ; كما يحكى أن طاهر بن الحسين قال لأبي عبد الله المروزي : منذ كم صرت إلى العراق يا أبا عبد الله ؟ قال : دخلت العراق منذ عشرين سنة وأنا منذ ثلاثين سنة صائم ; فقال يا أبا عبد الله سألناك عن مسألة فأجبتنا عن مسألتين . وحكى الأصمعي أن أعرابيا صلى فأطال وإلى جانبه قوم ، فقالوا : ما أحسن صلاتك ؟ ! فقال : وأنا مع ذلك صائم . أين هذا من قول الأشعث بن قيس وقد صلى فخفف ، فقيل له إنك خففت ، فقال : إنه لم يخالطها رياء ; فخلص من تنقصهم بنفي الرياء عن نفسه ، والتصنع من صلاته ; وقد تقدم في " النساء " دواء الرياء من قول لقمان ; وأنه كتمان العمل ، وروى الترمذي الحكيم حدثنا أبي - رحمه الله تعالى - قال : أنبأنا الحماني قال : أنبأنا جرير عن ليث عن شيخ عن معقل بن يسار قال : قال أبو بكر وشهد به على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الشرك ، قال : هو فيكم أخفى من دبيب النمل وسأدلك على شيء إذا فعلته أذهب عنك صغار الشرك وكباره تقول اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم وأستغفرك لما لا أعلم تقولها ثلاث مرات . وقال عمر بن قيس الكندي سمعت معاوية تلا هذه الآية على المنبر فمن كان يرجو لقاء ربه فقال : إنها لآخر آية نزلت من السماء . وقال عمر قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : أوحي إلي أنه من قرأ فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا رفع له نور ما بين عدن إلى مكة حشوه الملائكة يصلون عليه ويستغفرون له . وقال معاذ بن جبل قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : من قرأ أول سورة الكهف وآخرها كانت له نورا من قرنه إلى قدمه ومن قرأها كلها كانت له نورا من الأرض إلى السماء وعن ابن عباس أنه قال له رجل : إني أضمر أن أقوم ساعة من الليل فيغلبني النوم ، فقال : إذا أردت أن تقوم أي ساعة شئت من الليل فاقرأ إذا أخذت مضجعك قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي إلى آخر السورة فإن الله [ ص: 442 ] - تعالى - يوقظك متى شئت من الليل ; ذكر هذه الفضائل الثعلبي - رضي الله تعالى عنه - . وفي مسند الدارمي أبي محمد أخبرنا محمد بن كثير عن الأوزاعي عن عبدة عن زر بن حبيش قال من قرأ آخر سورة الكهف لساعة يريد أن يقوم من الليل قامها ; قال عبدة فجربناه فوجدناه كذلك قال ابن العربي : كان شيخنا الطرطوشي الأكبر يقول : لا تذهب بكم الأزمان في مصاولة الأقران ، ومواصلة الإخوان ; وقد ختم - سبحانه وتعالى - البيان بقوله : فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا .



الجامع لأحكام القرآن »
سورة الكهف »
قوله تعالى وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض ونفخ في الصور

ذكر الميزان

ذكر الميزان

قال تعالى : ونضع الموازين القسط ليوم القيامة الآية [ الأنبياء : 47 ] . وقال تعالى : فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون [ المؤمنون : 102 ، 103 ] . وقال تعالى : والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون [ الأعراف : 8 ، 9 ] . وقال تعالى : فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية [ القارعة : 6 ، 7 ] ، الآيات . وقال تعالى : فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا [ الكهف : 105 ] .

[ ص: 499 ] قال أبو عبد الله القرطبي : قال العلماء : إذا انقضى الحساب ، كان بعده وزن الأعمال; لأن الوزن للجزاء ، فينبغي أن يكون بعد المحاسبة ، فإن المحاسبة لتقدير الأعمال ، والوزن لإظهار مقاديرها; ليكون الجزاء بحسبها .

وقال : وقوله تعالى : ونضع الموازين القسط ليوم القيامة . يحتمل أن يكون ثم موازين متعددة توزن فيها الأعمال ، ويحتمل أن يكون المراد الموزونات ، فجمع باعتبار تنوع الأعمال الموزونة . والله أعلم .
....................................

قوله تعالى : ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين

قوله تعالى : ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا الموازين جمع ميزان . فقيل : إنه يدل بظاهره على أن لكل مكلف ميزانا توزن به أعماله ، فتوضع الحسنات في كفة ، والسيئات في كفة . وقيل : يجوز أن يكون هناك موازين للعامل الواحد ، يوزن بكل ميزان منها صنف من أعماله ؛ كما قال :

ملك تقوم الحادثات لعدله فلكل حادثة لها ميزان

ويمكن أن يكون ميزانا واحدا عبر عنه بلفظ الجمع . وخرج اللالكائي الحافظ أبو القاسم في سننه عن أنس يرفعه : إن ملكا موكلا بالميزان فيؤتى بابن آدم فيوقف بين كفتي [ ص: 202 ] الميزان فإن رجح نادى الملك بصوت يسمع الخلائق : سعد فلان سعادة لا يشقى بعدها أبدا وإن خف نادى الملك : شقي فلان شقاوة لا يسعد بعدها أبدا . وخرج عن حذيفة - رضي الله عنه - قال : صاحب الميزان يوم القيامة جبريل - عليه السلام - وقيل : للميزان كفتان وخيوط ولسان والشاهين ؛ فالجمع يرجع إليها . وقال مجاهد وقتادة والضحاك : ذكر الميزان مثل وليس ثم ميزان وإنما هو العدل . والذي وردت به الأخبار وعليه السواد الأعظم القول الأول . وقد مضى في ( الأعراف ) بيان هذا ، وفي ( الكهف ) أيضا . وقد ذكرناه في كتاب ( التذكرة ) مستوفى والحمد لله . والقسط العدل أي ليس فيها بخس ولا ظلم كما يكون في وزن الدنيا . والقسط صفة الموازين ووحد لأنه مصدر ؛ يقال : ميزان قسط ، وميزانان قسط ، وموازين قسط . مثل رجال عدل ورضا . وقرأت فرقة ( القصط ) بالصاد . ليوم القيامة أي لأهل يوم القيامة . وقيل : المعنى في يوم القيامة . فلا تظلم نفس شيئا أي لا ينقص من إحسان محسن ولا يزاد في إساءة مسيء .

وإن كان مثقال حبة من خردل قرأ نافع وشيبة وأبو جعفر ( مثقال حبة ) بالرفع هنا ؛ وفي ( لقمان ) على معنى إن وقع أو حضر ؛ فتكون كان تامة ولا تحتاج إلى خبر . الباقون مثقال بالنصب على معنى وإن كان العمل أو ذلك الشيء مثقال . ومثقال الشيء ميزانه من مثله . أتينا بها مقصورة الألف قراءة الجمهور أي أحضرناها وجئنا بها للمجازاة عليها ولها . يجاء بها أي بالحجة ولو قال به أي بالمثقال لجاز . وقيل : مثقال الحبة ليس شيئا غير الحبة فلهذا قال : أتينا بها . وقرأ مجاهد وعكرمة ( آتينا ) بالمد على معنى جازينا بها . يقال آتى يؤاتي مؤاتاة . وكفى بنا حاسبين أي محاسبين على ما قدموه من خير وشر . وقيل : حاسبين إذ لا أحد أسرع حسابا منا . والحساب العد . روى الترمذي عن عائشة - رضي الله عنها - : أن رجلا قعد بين يدي النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول الله إن لي مملوكين يكذبونني ويخونونني ويعصونني وأشتمهم وأضربهم فكيف أنا منهم ؟ قال : يحسب ما خانوك وعصوك وكذبوك وعقابك إياهم فإن كان عقابك إياهم بقدر ذنوبهم كان كفافا لا لك ولا عليك ، وإن كان عقابك إياهم دون ذنوبهم كان فضلا لك ، وإن كان عقابك فوق ذنوبهم اقتص لهم منك الفضل ، قال : فتنحى الرجل فجعل يبكي ويهتف . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أما تقرأ كتاب الله تعالى : ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا فقال الرجل : والله يا رسول الله ما أجد لي ولهؤلاء شيئا خيرا من مفارقتهم ، أشهدك أنهم أحرار كلهم . قال حديث غريب .



الجامع لأحكام القرآن »
سورة الأنبياء »
قوله تعالى ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا 

ذكر إبداء عنق من النار إلى المحشر فيطلع على الناس

ذكر إبداء عنق من النار إلى المحشر فيطلع على الناس

قال الله تعالى : وجيء يومئذ بجهنم يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى [ ص: 496 ] [ الفجر : 23 ] وقال مسلم في " صحيحه " : حدثنا عمر بن حفص بن غياث ، حدثنا أبي ، عن العلاء بن خالد الكاهلي ، عن شقيق ، عن عبد الله بن مسعود ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام ، مع كل زمام سبعون ألف ملك ، يجرونها " . وكذا رواه الترمذي مرفوعا ، ومن وجه آخر هو وابن جرير موقوفا .

وقال الإمام أحمد : حدثنا معاوية ، حدثنا شيبان ، عن فراس ، عن عطية ، عن أبي سعيد الخدري ، عن نبي الله صلى الله عليه وسلم ، أنه قال : " يخرج عنق من النار يتكلم فيقول : وكلت اليوم بثلاثة : بكل جبار ، ومن جعل مع الله إلها آخر ، ومن قتل نفسا بغير نفس . فينطوي عليهم ، فيقذفهم في غمرات جهنم " . تفرد به من هذا الوجه ، وسيأتي في باب الميزان عن خالد ، عن القاسم ، عن عائشة ، نحوه .

وقد قال تعالى : إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا [ الفرقان : 12 - 14 ] ، . قال السدي : إذا رأتهم من مكان بعيد .

[ ص: 497 ] قال : من مسيرة مائة عام . سمعوا لها تغيظا وزفيرا . من شدة حنقها وبغضها لمن أشرك بالله ، واتخذ معه إلها آخر . وفي الحديث " من كذب علي ، وادعى إلى غير أبيه ، وانتمى إلى غير مواليه فليتبوأ بين عيني جهنم مقعدا " ، قالوا : يا رسول الله ، وهل لها من عينين؟ قال : " أوما سمعتم الله يقول : إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا . رواه ابن أبي حاتم .

وقال ابن جرير : حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي ، حدثنا عبيد الله بن موسى ، حدثنا إسرائيل ، عن أبي يحيى ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ، قال : إن الرجل ليجر إلى النار ، فتنزوي وينقبض بعضها إلى بعض ، فيقول الرحمن : ما لك ؟ فتقول : إنه يستجير مني . فيقول : أرسلوا عبدي . وإن الرجل ليجر إلى النار فيقول : يا رب ، ما كان هذا الظن بك . فيقول : فما كان ظنك؟ فيقول : أن تسعني رحمتك . فيقول : أرسلوا عبدي . وإن الرجل ليجر إلى النار فتشهق إليه النار شهوق البغلة إلى الشعير ، وتزفر زفرة لا يبقى أحد إلا خاف . إسناده صحيح .

وقال عبد الرزاق : أخبرنا معمر ، عن المنصور ، عن مجاهد ، عن عبيد بن عمر ، قال : إن جهنم تزفر زفرة ، لا يبقى ملك ولا نبي إلا خر ترعد فرائصه ، حتى إن إبراهيم ليجثو على ركبتيه ، ويقول : رب ، لا أسألك اليوم إلا نفسي .

[ ص: 498 ] وقال في حديث الصور : " ثم يأمر الله جهنم فيخرج منها عنق ساطع مظلم ، ثم يقول تعالى : ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم ولقد أضل منكم جبلا كثيرا أفلم تكونوا تعقلون هذه جهنم التي كنتم توعدون اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون [ يس : 60 - 64 ] . وقال : وامتازوا اليوم أيها المجرمون [ يس : 159 ] . فيميز الله بين الخلائق ، وتجثو الأمم ، وذلك قوله تعالى : وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها اليوم تجزون ما كنتم تعملون هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون [ الجاثية : 28 ، 29 ] . 
__________________________

قوله تعالى : وجاء ربك والملك صفا صفا وجيء يومئذ بجهنم يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى قوله تعالى : وجاء ربك أي أمره وقضاؤه قاله الحسن . وهو من باب حذف المضاف . وقيل : أي جاءهم الرب بالآيات العظيمة وهو كقوله تعالى : إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام ، أي بظلل . وقيل : جعل مجيء الآيات مجيئا له ، تفخيما لشأن تلك الآيات . ومنه قوله تعالى في الحديث : يا بن آدم ، مرضت فلم تعدني ، واستسقيتك فلم [ ص: 49 ] تسقني ، واستطعمتك فلم تطعمني . وقيل : وجاء ربك أي زالت الشبه ذلك اليوم ، وصارت المعارف ضرورية ، كما تزول الشبه والشك عند مجيء الشيء الذي كان يشك فيه . قال أهل الإشارة : ظهرت قدرته واستولت ، والله - جل ثناؤه - لا يوصف بالتحول من مكان إلى مكان ، وأنى له التحول والانتقال ، ولا مكان له ولا أوان ، ولا يجري عليه وقت ولا زمان ; لأن في جريان الوقت على الشيء فوت الأوقات ، ومن فاته شيء فهو عاجز .

قوله تعالى : والملك أي الملائكة . صفا صفا أي صفوفا .

وجيء يومئذ بجهنم قال ابن مسعود ومقاتل : تقاد جهنم بسبعين ألف زمام ، كل زمام بيد سبعين ألف ملك ، لها تغيظ وزفير ، حتى تنصب عن يسار العرش . وفي صحيح ، مسلم عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : يؤتى بجهنم ، لها سبعون ألف زمام ، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها . وقال أبو سعيد الخدري : لما نزلت وجيء يومئذ بجهنم تغير لون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعرف في وجهه . حتى اشتد على أصحابه ، ثم قال : " أقرأني جبريل كلا إذا دكت الأرض دكا دكا الآية وجيء يومئذ بجهنم " . قال علي - رضي الله عنه - : قلت : يا رسول الله ، كيف يجاء بها ؟ قال : " تؤتى بها تقاد بسبعين ألف زمام ، يقود بكل زمام سبعون ألف ملك ، فتشرد شردة لو تركت لأحرقت أهل الجمع ثم تعرض لي جهنم فتقول : ما لي ولك يا محمد ، إن الله قد حرم لحمك علي " فلا يبقى أحد إلا قال نفسي نفسي ! إلا محمد - صلى الله عليه وسلم - فإنه يقول : رب أمتي ! رب أمتي !

قوله تعالى : يومئذ يتذكر الإنسان أي يتعظ ويتوب . وهو الكافر ، أو من همته معظم الدنيا .

وأنى له الذكرى أي ومن أين له الاتعاظ والتوبة وقد فرط فيها في الدنيا . ويقال : أي ومن أين له منفعة الذكرى . فلا بد من تقدير حذف المضاف ، وإلا فبين يومئذ يتذكر وبين وأنى له الذكرى تناف ، قاله الزمخشري .



الجامع لأحكام القرآن »
سورة الفجر »
قوله تعالى وجاء ربك والملك صفا صفا 

فصل في إبراز النيران ، والجنان ، ونصب الميزان ، ومحاسبة الديان

فصل في إبراز النيران ، والجنان ، ونصب الميزان ، ومحاسبة الديان

قال الله سبحانه وتعالى : وأزلفت الجنة للمتقين وبرزت الجحيم للغاوين [ الشعراء : 90 ، 91 ] ، . وقال : وإذا الجحيم سعرت وإذا الجنة أزلفت علمت نفس ما أحضرت [ التكوير : 12 - 14 ] . وقال تعالى : يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد [ ق : 30 - 31 ] ، الآيات . وقال تعالى : ونضع الموازين القسط ليوم القيامة [ الأنبياء : 47 ] ، الآية . وقال تعالى : إن الله لا يظلم مثقال ذرة [ النساء : 40 ] . وقال لقمان لابنه فيما أخبر الله عنه : يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير [ لقمان : 16 ] . والآيات في هذا كثيرة جدا .

..............................





قوله تعالى : وأزلفت الجنة للمتقين وبرزت الجحيم للغاوين وقيل لهم أين ما كنتم تعبدون من دون الله هل ينصرونكم أو ينتصرون فكبكبوا فيها هم والغاوون وجنود إبليس أجمعون قالوا وهم فيها يختصمون تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين وما أضلنا إلا المجرمون فما لنا من شافعين ولا صديق حميم فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم .

قوله تعالى : وأزلفت الجنة للمتقين أي قربت وأدنيت ليدخلوها . وقال الزجاج : [ ص: 109 ] قرب دخولهم إياها . و " برزت " أي أظهرت " الجحيم " يعني جهنم . للغاوين أي الكافرين الذين ضلوا عن الهدى . أي تظهر جهنم لأهلها قبل أن يدخلوها حتى يستشعروا الروع والحزن ، كما يستشعر أهل الجنة الفرح لعلمهم أنهم يدخلون الجنة . وقيل لهم أين ما كنتم تعبدون من دون الله من الأصنام والأنداد هل ينصرونكم من عذاب الله أو ينتصرون لأنفسهم . وهذا كله توبيخ . فكبكبوا فيها أي قلبوا على رءوسهم . وقيل : دهوروا وألقي بعضهم على بعض . وقيل : جمعوا . مأخوذ من الكبكبة وهي الجماعة ; قاله الهروي . وقال النحاس : هو مشتق من كوكب الشيء أي معظمه . والجماعة من الخيل كوكب وكبكبة . وقال ابن عباس : جمعوا فطرحوا في النار . وقال مجاهد : دهوروا . وقال مقاتل : قذفوا . والمعنى واحد . تقول : دهورت الشيء إذا جمعته ثم قذفته في مهواة . يقال : هو يدهور اللقم إذا كبرها . ويقال في الدعاء : كب الله عدو المسلمين ولا يقال أكبه . وكبكبه ، أي كبه وقلبه . ومنه قوله تعالى : فكبكبوا فيها والأصل كببوا فأبدل من الباء الوسطى كاف استثقالا لاجتماع الباءات . قال السدي : الضمير في " كبكبوا " لمشركي العرب هم والغاوون الآلهة . وجنود إبليس أجمعون من كان من ذريته . وقيل : كل من دعاه إلى عبادة الأصنام فاتبعه . وقال قتادة والكلبي ومقاتل : الغاوون هم الشياطين . وقيل : إنما تلقى الأصنام في النار وهي حديد ونحاس ليعذب بها غيرهم .

قالوا وهم فيها يختصمون يعني الإنس والشياطين والغاوين والمعبودين اختصموا حينئذ . ( تالله ) حلفوا بالله إن كنا لفي ضلال مبين أي في خسار وتبار وحيرة عن الحق بينة إذ اتخذنا مع الله آلهة فعبدناها كما يعبد ; إذ نسويكم برب العالمين أي في العبادة وأنتم لا تستطيعون الآن نصرنا ولا نصر أنفسكم . وما أضلنا إلا المجرمون يعني الشياطين الذين زينوا لنا عبادة الأصنام . وقيل : أسلافنا الذين قلدناهم . قال أبو العالية وعكرمة : المجرمون إبليس وابن آدم القاتل هما أول من سن الكفر والقتل وأنواع المعاصي . فما لنا من شافعين أي شفعاء يشفعون لنا من الملائكة والنبيين والمؤمنين . ولا صديق حميم أي صديق مشفق ; وكان علي رضي الله عنه يقول : عليكم بالإخوان فإنهم عدة الدنيا وعدة الآخرة ; ألا تسمع إلى قول أهل النار : فما لنا من شافعين ولا صديق حميم الزمخشري : وجمع الشافع لكثرة الشافعين ووحد الصديق لقلته ; ألا ترى أن الرجل إذا امتحن بإرهاق ظالم مضت جماعة وافرة من أهل بلده لشفاعته ; رحمة له وحسبة وإن لم تسبق له بأكثرهم معرفة ; وأما الصديق فهو الصادق في ودادك الذي يهمه ما يهمك فأعز من بيض الأنوق ; وعن بعض الحكماء أنه سئل عن الصديق فقال : اسم لا معنى له . ويجوز أن يريد بالصديق الجمع والحميم القريب والخاص ; ومنه حامة الرجل أي [ ص: 110 ] أقرباؤه . وأصل هذا من الحميم وهو الماء الحار ; ومنه الحمام والحمى ; فحامة الرجل الذين يحرقهم ما أحرقه ; يقال : وهم حزانته أي يحزنهم ما يحزنه . ويقال : حم الشيء وأحم : إذا قرب ، ومنه الحمى ; لأنها تقرب من الأجل . وقال علي بن عيسى : إنما سمي القريب حميما ; لأنه يحمى لغضب صاحبه ، فجعله مأخوذا من الحمية . وقال قتادة : يذهب الله عز وجل يوم القيامة مودة الصديق ورقة الحميم . ويجوز : ( ولا صديق حميم ) بالرفع على موضع من شافعين لأن ( من شافعين ) في موضع رفع . وجمع صديق أصدقاء وصدقاء وصداق . ولا يقال صدق للفرق بين النعت وغيره . وحكى الكوفيون : أنه يقال في جمعه صدقان . النحاس : وهذا بعيد ; لأن هذا جمع ما ليس بنعت نحو رغيف ورغفان . وحكوا أيضا صديق وأصادق . و " أفاعل " إنما هو جمع " أفعل " إذا لم يكن نعتا نحو أشجع وأشاجع . ويقال : صديق للواحد والجماعة وللمرأة ; قال الشاعر [ جرير ] : 

نصبن الهوى ثم ارتمين قلوبنا بأعين أعداء وهن صديق

ويقال : فلان صديقي أي أخص أصدقائي ، وإنما يصغر على جهة المدح ; كقول حباب بن المنذر : ( أنا جذيلها المحكك ، وعذيقها المرجب ) ذكره الجوهري . النحاس : وجمع " حميم " أحماء وأحمة وكرهوا أفعلاء للتضعيف . فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين ( أن ) في موضع رفع ، المعنى ولو وقع لنا رجوع إلى الدنيا لآمنا حتى يكون لنا شفعاء . تمنوا حين لا ينفعهم التمني . وإنما قالوا ذلك حين شفع الملائكة والمؤمنون . قال جابر بن عبد الله قال النبي صلى الله عليه وسلم : إن الرجل ليقول في الجنة ما فعل فلان وصديقه في الجحيم فلا يزال يشفع له حتى يشفعه الله فيه فإذا نجا قال المشركون : فما لنا من شافعين ولا صديق حميم . وقال الحسن : ما اجتمع ملأ على ذكر الله ، فيهم عبد من أهل الجنة إلا شفعه الله فيهم ، وإن أهل الإيمان ليشفع بعضهم في بعض وهم عند الله شافعون مشفعون . وقال كعب : إن الرجلين كانا صديقين في الدنيا ، فيمر أحدهما بصاحبه وهو يجر إلى النار ، فيقول له أخوه : والله ما بقي لي إلا حسنة واحدة أنجو بها ، خذها أنت يا أخي فتنجو بها مما أرى ، وأبقى أنا وإياك من أصحاب الأعراف . قال : فيأمر الله بهما جميعا فيدخلان الجنة . إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم تقدم والحمد لله .
الجامع لأحكام القرآن »
سورة الشعراء »
قوله تعالى وأزلفت الجنة للمتقين 

ما ورد في كلام الرب سبحانه مع العلماء و وأول كلامه عز وجل ، للمؤمنين ومخاطبة الله عز وجل لعبده الكافر يوم القيامة

ذكر ما ورد في كلام الرب سبحانه مع العلماء يوم فصل القضاء

قال الطبراني : حدثنا أحمد بن زهير ، حدثنا العلاء بن مسلمة ، حدثنا [ ص: 492 ] إبراهيم الطالقاني ، حدثنا ابن المبارك ، عن سفيان ، عن سماك بن حرب ، عن ثعلبة بن الحكم ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يقول الله تعالى للعلماء إذا جلس على كرسيه لفصل القضاء : إني لم أجعل علمي وحكمتي فيكم ، إلا وأنا أريد أن أغفر لكم على ما كان منكم ، ولا أبالي " .

قلت : ولا يصح ، ولو صح كان المراد به العلماء العاملون . والله أعلم .  
.................................................
الطبراني

هو الإمام الحافظ الثقة الرحال الجوال محدث الإسلام علم المعمرين أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي الشامي الطبراني ، صاحب المعاجم الثلاثة .

مولده بمدينة عكا في شهر صفر سنة ستين ومائتين وكانت أمه عكاوية .

وأول سماعه في سنة ثلاث وسبعين ، وارتحل به أبوه ، وحرص عليه ، فإنه كان صاحب حديث ، من أصحاب دحيم ، فأول ارتحاله كان في سنة خمس وسبعين ، فبقي في الارتحال ولقي الرجال ستة عشر عاما ، وكتب عمن أقبل وأدبر ، وبرع في هذا الشأن ، وجمع وصنف ، وعمر دهرا طويلا ، [ ص: 120 ] وازدحم عليه المحدثون ، ورحلوا إليه من الأقطار .

لقي أصحاب يزيد بن هارون ، وروح بن عبادة ، وأبي عاصم ، وحجاج بن محمد ، وعبد الرزاق ، ولم يزل يكتب حتى كتب عن أقرانه .

سمع من هاشم بن مرثد الطبراني ، وأحمد بن مسعود الخياط ، حدثه ببيت المقدس في سنة أربع وسبعين ، عن عمرو بن أبي سلمة التنيسي ، وسمع بطبرية من أحمد بن عبد الله اللحياني صاحب آدم ، وبقيسارية من عمرو بن ثور ، وإبراهيم بن أبي سفيان صاحبي الفريابي ، وسمع من نحو ألف شيخ أو يزيدون .

وروى عن أبي زرعة الدمشقي ، وإسحاق بن إبراهيم الدبري ، وإدريس بن جعفر العطار ، وبشر بن موسى ، وحفص بن عمر سنجة ، وعلي بن عبد العزيز البغوي المجاور ، ومقدام بن داود الرعيني ، ويحيى بن أيوب العلاف ، وعبد الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم ، وأحمد بن عبد الوهاب الحوطي ، وأحمد بن إبراهيم بن فيل البالسي ، وأحمد بن إبراهيم البسري ، وأحمد بن إسحاق بن إبراهيم بن نبيط الأشجعي صاحب تلك النسخة الموضوعة ، وأحمد بن إسحاق الخشاب ، وأحمد بن داود البصري ثم المكي . وأحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة البتلهي ، وأحمد بن خليد الحلبي ، لقيه بها في سنة ثمان وسبعين ومائتين ، ومن أحمد بن زياد الرقي الحذاء صاحب حجاج الأعور ، وإبراهيم بن سويد الشبامي ، وإبراهيم بن محمد بن بزة الصنعاني ، والحسن بن عبد الأعلى البوسي أصحاب عبد الرزاق ، وبكر بن سهل الدمياطي ، وحبوش بن رزق الله المصري ، وأبي الزنباع روح بن الفرج القطان ، والعباس بن الفضل الأسفاطي . وعبد الله بن أحمد بن حنبل ، وعبد الله بن الحسين المصيصي وعبد الرحيم بن عبد الله البرقي ، سمع منه السيرة لكنه وهم ، وسماه أحمد [ ص: 121 ] باسم أخيه ، وعلي بن عبد الصمد ماغمه ، وأبي مسلم الكجي ، وإسحاق بن إبراهيم المصري القطان ، وإدريس بن عبد الكريم الحداد ، وجعفر بن محمد الرملي القلانسي ، والحسن بن سهل المجوز ، وزكريا بن حمدويه الصفار ، وعثمان بن عمر الضبي ، ومحمد بن محمد التمار ، ومحمد بن يحيى بن المنذر القزاز صاحب سعيد بن عامر الضبعي ، ومحمد بن زكريا الغلابي . ومحمد بن علي الصائغ ، وأبي علاثة محمد بن عمرو بن خالد الحراني ، ومحمد بن أسد بن يزيد الأصبهاني ، حدثه عن أبي داود الطيالسي ، ومحمد بن معاذ دران ، وأبي عبد الرحمن النسائي ، وعبيد الله بن رماحس ، وهارون بن ملول . وسمع بالحرمين ، واليمن ، ومدائن الشام ومصر ، وبغداد ، والكوفة ، والبصرة ، وأصبهان ، وخوزستان ، وغير ذلك ، ثم استوطن أصبهان ، وأقام بها نحوا من ستين سنة ينشر العلم ويؤلفه ، وإنما وصل إلى العراق بعد فراغه من مصر والشام والحجاز واليمن ، وإلا فلو قصد العراق أولا لأدرك إسنادا عظيما .

حدث عنه : أبو خليفة الجمحي ، والحافظ ابن عقدة وهما من شيوخه ، وأحمد بن محمد بن إبراهيم الصحاف ، وابن منده ، وأبو بكر بن مردويه ، وأبو عمر محمد بن الحسين البسطامي ، وأبو نعيم الأصبهاني ، وأبو الفضل محمد بن أحمد الجارودي ، وأبو سعيد النقاش ، وأبو بكر بن أبي علي الذكواني ، وأحمد بن عبد الرحمن الأزدي ، والحسين بن أحمد بن المرزبان ، وأبو الحسين بن فاذشاه . وأبو سعد عبد الرحمن بن أحمد الصفار ، ومعمر بن أحمد بن زياد ، وأبو بكر محمد بن عبد الله الرباطي ، والفضل بن عبيد الله بن شهريار ، وعبد الواحد بن أحمد الباطرقاني ، وأحمد بن محمد بن إبراهيم الأصبهاني ، وعلي بن يحيى بن عبدكويه ، ومحمد بن عبد الله بن شمة ، وبشر بن محمد الميهني ، وخلق كثير ، آخرهم موتا أبو [ ص: 122 ] بكر محمد بن عبد الله بن ريذة التاجر ، ثم عاش بعده أبو القاسم عبد الرحمن بن أبي بكر الذكواني يروي عن الطبراني بالإجازة ، فمات سنة اثنتين أو ثلاث وأربعين وأربعمائة ومات ابن ريذة عام أربعين .

ومن تواليفه " المعجم الصغير " في مجلد ، عن كل شيخ حديث و " المعجم الكبير " وهو معجم أسماء الصحابة وتراجمهم وما رووه ، لكن ليس فيه مسند أبي هريرة ، ولا استوعب حديث الصحابة المكثرين , في ثمان مجلدات ، " والمعجم الأوسط " على مشايخه المكثرين ، وغرائب ما عنده عن كل واحد ، يكون خمس مجلدات . وكان الطبراني - فيما بلغنا - يقول عن " الأوسط " : هذا الكتاب روحي .

وقال أبو بكر بن أبي علي : سأل أبي أبا القاسم الطبراني عن كثرة حديثه ، فقال : كنت أنام على البواري ثلاثين سنة .

قال أبو نعيم : قدم الطبراني أصبهان سنة تسعين ومائتين ، ثم خرج ، ثم قدمها فأقام بها محدثا ستين سنة .

قال سليمان بن إبراهيم الحافظ : قال أبو أحمد العسال القاضي : إذا سمعت من الطبراني عشرين ألف حديث ، وسمع منه أبو إسحاق بن حمزة ثلاثين ألفا ، وسمع منه أبو الشيخ أربعين ألفا ، كملنا .

قلت : هؤلاء كانوا شيوخ أصبهان مع الطبراني .

قال أبو نعيم الحافظ : سمعت أحمد بن بندار يقول : دخلت العسكر سنة ثمان وثمانين ومائتين ، فحضرت مجلس عبدان ، وخرج ليملي ، فجعل [ ص: 123 ] المستملي يقول له : إن رأيت أن تملي ؟ فيقول : حتى يحضر الطبراني .

قال : فأقبل أبو القاسم بعد ساعة متزرا بإزار مرتديا بآخر ، ومعه أجزاء ، وقد تبعه نحو من عشرين نفسا من الغرباء من بلدان شتى حتى يفيدهم الحديث .

قال أبو بكر بن مردويه في " تاريخه " : لما قدم الطبراني قدمته الثانية سنة عشر وثلاثمائة إلى أصبهان قبله أبو علي أحمد بن محمد بن رستم العامل ، وضمه إليه ، وأنزله المدينة ، وأحسن معونته ، وجعل له معلوما من دار الخراج فكان يقبضه إلى أن مات . وقد كنى ولده محمدا أبا ذر ، وهي كنية والده أحمد .

قال أبو زكريا يحيى بن منده : سمعت مشايخنا ممن يعتمد عليهم يقولون : أملى أبو القاسم الطبراني حديث عكرمة في الرؤية فأنكر عليه ابن طباطبا العلوي ، ورماه بدواة كانت بين يديه ، فلما رأى الطبراني ذلك واجهه بكلام اختصرته ، وقال في أثناء كلامه : ما تسكتون وتشتغلون بما أنتم فيه حتى لا يذكر ما جرى يوم الحرة . فلما سمع ذلك ابن طباطبا ، قام واعتذر إليه وندم ، ثم قال ابن منده : وبلغني أن الطبراني كان حسن المشاهدة ، طيب المحاضرة ، قرأ عليه يوما أبو طاهر بن لوقا حديث : " كان يغسل حصى جماره " فصحفه وقال : خصى حماره ، فقال : ما أراد بذلك يا أبا طاهر قال : التواضع ، وكان هذا كالمغفل . قال له الطبراني يوما : أنت ولدي ، قال : [ ص: 124 ] وإياك يا أبا القاسم ، يعني : وأنت .

قال ابن منده : ووجدت عن أحمد بن جعفر الفقيه ، أخبرنا أبو عمر بن عبد الوهاب السلمي قال : سمعت الطبراني يقول : لما قدم أبو علي بن رستم بن فارس ، دخلت عليه ، فدخل عليه بعض الكتاب ، فصب على رجله خمسمائة درهم ، فلما خرج الكاتب أعطانيها ، فلما دخلت بنته أم عدنان ، صبت على رجله خمسمائة ، فقمت ، فقال : إلى أين ؟ قلت : قمت لئلا يقول : جلست لهذا ، فقال : ارفع هذه أيضا ، فلما كان آخر أمره تكلم في أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ببعض الشيء ، فخرجت ولم أعد إليه بعد .

قال أحمد بن جعفر الفقيه : سمعت أبا عبد الله بن حمدان ، وأبا الحسن المديني ، وغيرهما ، يقولون : سمعنا الطبراني يقول : هذا الكتاب روحي يعني : " المعجم الأوسط " .

قال أبو الحسين أحمد بن فارس اللغوي : سمعت الأستاذ ابن العميد يقول : ما كنت أظن أن في الدنيا حلاوة ألذ من الرئاسة والوزارة التي أنا فيها ، حتى شاهدت مذاكرة أبي القاسم الطبراني وأبي بكر الجعابي بحضرتي ، فكان الطبراني يغلب أبا بكر بكثرة حفظه ، وكان أبو بكر يغلب بفطنته وذكائه حتى ارتفعت أصواتهما ، ولا يكاد أحدهما يغلب صاحبه ، فقال الجعابي : عندي حديث ليس في الدنيا إلا عندي ، فقال : هات ، فقال : حدثنا أبو خليفة الجمحي ، حدثنا سليمان بن أيوب ، وحدث بحديث ، فقال الطبراني : أخبرنا سليمان بن أيوب ، ومني سمعه أبو خليفة ، فاسمع مني حتى يعلو فيه إسنادك ، فخجل الجعابي ، فوددت أن الوزارة لم تكن ، وكنت أنا الطبراني ، وفرحت كفرحه ، أو كما قال . [ ص: 125 ] أنبئونا عن أبي المكارم اللبان ، عن غانم البرجي ، أنه سمع عمر بن محمد بن الهيثم يقول : سمعت أبا جعفر بن أبي السري قال : لقيت ابن عقدة بالكوفة ، فسألته يوما أن يعيد لي فوتا فامتنع ، فشددت عليه ، فقال : من أي بلد أنت ؟ قلت : من أصبهان ، فقال : ناصبة ينصبون العداوة لأهل البيت ، فقلت : لا تقل هذا فإن فيهم متفقهة وفضلاء ومتشيعة ، فقال : شيعة معاوية ؟ قلت : لا والله ، بل شيعة علي ، وما فيهم أحد إلا وعلي أعز عليه من عينه وأهله ، فأعاد علي ما فاتني . ثم قال لي : سمعت من سليمان بن أحمد اللخمي ؟ فقلت : لا ، لا أعرفه ، فقال : يا سبحان الله ! ! أبو القاسم ببلدكم وأنت لا تسمع منه ، وتؤذيني هذا الأذى ، بالكوفة ما أعرف لأبي القاسم نظيرا ، قد سمعت منه ، وسمع مني . ثم قال : أسمعت " مسند " أبي داود الطيالسي ؟ فقلت : لا ، قال : ضيعت الحزم ؛ لأن منبعه من أصبهان . وقال : أتعرف إبراهيم بن محمد بن حمزة ؟ قلت : نعم . قال : قل ما رأيت مثله في الحفظ .

قال الحافظ أبو عبد الله بن منده : أبو القاسم الطبراني أحد الحفاظ المذكورين ، حدث عن أحمد بن عبد الرحيم البرقي ، ولم يحتمل سنه لقيه ، توفي أحمد بمصر سنة ست وستين ومائتين . قلت : قد مر أن الطبرانى وهم في اسم شيخه عبد الرحيم فسماه أحمد ، واستمر . وقد أرخ الحافظ أبو سعيد بن يونس وفاة أحمد بن البرقي هكذا في موضع ، وأرخها في موضع آخر سنة سبعين في شهر رمضان منها ، وعلى الحالين فما لقيه ولا قارب ، وإنما وهم في الاسم ، وحمل عنه السيرة النبوية بسماعه من عبد الملك بن هشام السدوسي ، وقد كان أحمد بن البرقي يروي عن عمرو بن أبي سلمة [ ص: 126 ] التنيسي والكبار الذين لم يدركهم أخوه عبد الرحيم ، ثم إننا رأينا الطبراني لم يذكر عبد الرحيم باسمه هذا في " معجمه " ، بل تمادى على الوهم ، وسماه بأحمد في حرف الألف ، ولهذين أخ ثالث وهو محمد بن البرقي الحافظ ، له مؤلف في الضعفاء ، وهو أسن الثلاثة ، توفي سنة تسع وأربعين ومائتين ، ومات عبد الرحيم بن عبد الله بن البرقي الذي لقيه الطبراني وزل في تسميته بأحمد في سنة ست وثمانين ومائتين . وقد سمعنا السيرة من طريقه ، وقد سئل الحافظ أبو العباس أحمد بن منصور الشيرازي عن الطبراني ، فقال : كتبت عنه ثلاث مائة ألف حديث ، ثم قال : وهو ثقة ، إلا أنه كتب عن شيخ بمصر ، وكانا أخوين ، وغلط في اسمه ، يعني : ابني البرقي .

قال أبو عبد الله الحاكم : وجدت أبا علي النيسابوري الحافظ سيئ الرأي في أبي القاسم اللخمي ، فسألته عن السبب ، فقال : اجتمعنا على باب أبي خليفة ، فذكرت له طرق حديث : أمرت أن أسجد على سبعة أعضاء فقلت له : يحفظ شعبة عن عبد الملك بن ميسرة ، عن طاوس ، عن ابن عباس ؟ قال : بلى رواه غندر ، وابن أبي عدي ، قلت : من عنهما ؟ قال : حدثناه عبد الله بن أحمد ، عن أبيه ، عنهما ، فاتهمته إذ ذاك ، فإنه ما حدث به غير عثمان بن عمر عن شعبة . قلت : هذا تعنت على حافظ حجة .

قال الحافظ ضياء الدين المقدسي : هذا وهم فيه الطبراني في المذاكرة ، فأما في جمعه حديث شعبة فلم يروه إلا من حديث عثمان بن عمر ، [ ص: 127 ] ولو كان كل من وهم في حديث واحد اتهم لكان هذا لا يسلم منه أحد .

قال الحافظ أبو بكر بن مردويه : دخلت بغداد ، وتطلبت حديث إدريس بن جعفر العطار ، عن يزيد بن هارون ، وروح ، فلم أجد إلا أحاديث معدودة ، وقد روى الطبراني ، عن إدريس ، عن يزيد كثيرا . قلت : هذا لا يدل على شيء ، فإن البغاددة كاثروا عن إدريس للينه ، وظفر به الطبراني فاغتنم علو إسناده ، وأكثر عنه ، واعتنى بأمره .

وقال أحمد الباطرقاني : دخل ابن مردويه بيت الطبراني وأنا معه - وذلك بعد وفاة ابنه أبي ذر - لبيع كتب الطبراني ، فرأى أجزاء الأوائل بها فاغتم لذلك ، وسب الطبراني ، وكان سيئ الرأي فيه .

وقال سليمان بن إبراهيم الحافظ : كان ابن مردويه في قلبه شيء على الطبراني ، فتلفظ بكلام ، فقال له أبو نعيم : كم كتبت يا أبا بكر عنه ؟ فأشار إلى حزم ، فقال : ومن رأيت مثله ؟ فلم يقل شيئا .

قال الحافظ الضياء : ذكر ابن مردويه في تأريخه لأصبهان جماعة ، وضعفهم ، وذكر الطبراني فلم يضعفه ، فلو كان عنده ضعيفا لضعفه . قال أبو بكر بن أبي علي المعدل : الطبراني أشهر من أن يدل على فضله وعلمه ، كان واسع العلم كثير التصانيف ، وقيل : ذهبت عيناه في آخر أيامه ، فكان يقول : الزنادقة سحرتني . فقال له يوما حسن العطار - تلميذه يمتحن بصره : كم عدد الجذوع التي في السقف ؟ فقال : لا أدري ، لكن نقش خاتمي سليمان بن أحمد .

قلت : هذا قاله على سبيل الدعابة . قال : وقال له مرة : من هذا الآتي - يعني : ابنه - ؟ فقال : أبو ذر ، وليس بالغفاري . [ ص: 128 ] ولأبي القاسم من التصانيف : كتاب " السنة " مجلد ، كتاب " الدعاء " مجلد ، كتاب " الطوالات " مجيليد ، كتاب " مسند شعبة " كبير ، " مسند سفيان " ، كتاب " مسانيد الشاميين " ، كتاب " التفسير " كبير جدا ، كتاب " الأوائل " ، كتاب " الرمي " ، كتاب " المناسك " ، كتاب " النوادر " ، كتاب " دلائل النبوة " مجلد ، كتاب " عشرة النساء " وأشياء سوى ذلك لم نقف عليها ، منها " مسند عائشة " ، " مسند أبي هريرة " ، " مسند أبي ذر " ، " معرفة الصحابة " ، " العلم " ، " الرؤية " ، " فضل العرب " ، " الجود " ، " الفرائض " ، " مناقب أحمد " ، " كتاب الأشربة " ، " كتاب الألوية في خلافة أبي بكر وعمر " ، وغير ذلك ، وقد سماها على الولاء الحافظ يحيى بن منده . وأكثرها مسانيد حفاظ وأعيان ، ولم نرها .

ولم يزل حديث الطبراني رائجا ، نافقا ، مرغوبا فيه ، ولا سيما في زمان صاحبه ابن زيدة ، فقد سمع منه خلائق ، وكتب السلفي عن نحو مائة نفس منهم ومن أصحاب ابن فاذشاه ، وكتب أبو موسى المديني ، وأبو العلاء الهمذاني عن عدة من بقاياهم . وازدحم الخلق على خاتمتهم فاطمة الجوزدانية الميتة في سنة أربع وعشرين وخمسمائة ، وارتحل ابن خليل والضياء ، وأولاد الحافظ عبد الغني وعدة من المحدثين في طلب حديث الطبراني ، واستجازوا من بقايا المشيخة لأقاربهم وصغارهم ، وجلبوه إلى الشام ، ورووه ، ونشروه ، ثم سمعه بالإجازة العالية ابن جعوان ، والحارثي ، والمزي ، وابن سامة ، والبرزالي ، وأقرانهم ، ورووه في هذا العصر ، وأعلى ما بقي من ذلك بالاتصال " معجمه الصغير " ، فلا تفوتوه رحمكم الله .

وقد عاش الطبراني مائة عام وعشرة أشهر .

قال أبو نعيم الحافظ : توفي الطبراني لليلتين بقيتا من ذي القعدة سنة [ ص: 129 ] ستين وثلاثمائة بأصبهان ، ومات ابنه أبو ذر في سنة تسع وتسعين وثلاثمائة عن نيف وستين سنة .

أخبرنا عبد الملك بن عبد الرحمن العطار ، أخبرنا يوسف بن خليل ، أخبرنا علي بن سعيد بن فاذشاه ، ومحمد بن أبي زيد قالا : أخبرنا محمود بن إسماعيل ، أخبرنا أحمد بن محمد بن فاذشاه ، حدثنا سليمان بن أحمد ، حدثنا أبو مسلم الكشي ، حدثنا أبو عاصم ، عن ابن عجلان ، عن أبيه ، عن أبي هريرة قال : كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مسيرة ، ومعه رجل ، إذ لعن ناقته ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أين اللاعن ناقته ؟ قال : ها أنذا ، قال : أخرها فقد أجبت فيها .

أخبرنا أحمد بن محمد الحافظ ، أخبرنا ابن خليل ، أخبرنا مسعود بن أبي منصور ، أخبرنا الحسن بن أحمد ، أخبرنا عبد الوهاب بن محمد بن مهرة سنة خمس وعشرين وأربعمائة ، أخبرنا سليمان الطبراني ، حدثنا محمد بن حيان المازني ، وأبو خليفة قالا : حدثنا أبو الوليد ، حدثنا شعبة ، عن علي ابن بذيمة ، عن أبي عبيدة عن أبيه عبد الله قال : " من قرأ القرآن في أقل من ثلاث فهو راجز " . [ ص: 130 ] قرأت على سليمان بن قدامة القاضي ، أخبرنا محمد بن عبد الواحد الحافظ ، أخبرنا محمد بن أحمد ، أخبرتنا فاطمة بنت عبد الله ، أخبرنا ابن ريذة ، أخبرنا الطبراني ، حدثنا علي بن عبد العزيز ، حدثنا سعيد بن منصور ، حدثنا هشيم ، حدثنا عبد الحميد بن جعفر ، عن أبيه ، أن خالد بن الوليد فقد قلنسوة له يوم اليرموك ، فقال : اطلبوها ، فلم يجدوها ، فقال : اطلبوها ، فوجدوها ، فإذا هي قلنسوة خلقة ، فقال خالد : اعتمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فحلق رأسه ، فابتدر الناس جوانب شعره فسبقتهم إلى ناصيته ، فجعلتها في هذه القلنسوة ، فلم أشهد قتالا وهي معي إلا رزقت النصر .

ومات في سنة ستين الآجري وسيأتي ، والمعمر أبو علي عيسى بن محمد بن أحمد الجريجي الطوماري عن تسع وتسعين سنة ، وإمام جامع همذان أبو العباس الفضل بن الفضل الكندي ، ومسند بغداد أبو بكر محمد بن جعفر بن محمد بن الهيثم الأنباري ، والبندار ، وأبو بكر محمد بن جعفر بن محمد بن كنانة المؤدب ، والمحدث القدوة أبو عمرو محمد بن جعفر بن محمد بن مطر النيسابوري ، والوزير أبو الفضل محمد بن الحسين بن محمد بن العميد صاحب الترسل الفائق ، والمعمر أبو طاهر محمد بن سليمان بن ذكوان البعلبكي المقرئ ، وشيخ الزهاد أبو بكر محمد بن داود الدقي الدينوري ، والذي تملك دمشق أبو القاسم بن أبي يعلى الهاشمي ثم أسر وبعث إلى مصر . 
عرض في كتاب سير أعلام النبلاء
============

ذكر أول كلامه عز وجل ، للمؤمنين

قال أبو داود الطيالسي : حدثنا عبد الله بن المبارك ، حدثني يحيى بن أيوب ، عن عبيد الله بن زحر ، عن خالد بن أبي عمران ، عن أبي عياش ، عن معاذ بن جبل ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن شئتم أنبأتكم بأول ما يقول الله عز وجل للمؤمنين يوم القيامة ، وبأول ما يقولون له " . قالوا : نعم يا رسول الله ، قال : " فإن الله تعالى يقول للمؤمنين : هل أحببتم لقائي؟ فيقولون : نعم يا ربنا . فيقول : وما حملكم على ذلك؟ فيقولون : عفوك ورحمتك [ ص: 493 ] ورضوانك . فيقول؟ فإني قد أوجبت لكم رحمتي .  
.............................................
الطيالسي ( م ، 4 )

سليمان بن داود بن الجارود ، الحافظ الكبير ، صاحب المسند ، أبو داود الفارسي ، ثم الأسدي ، ثم الزبيري ، مولى آل الزبير بن العوام ، الحافظ البصري .

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد وطائفة ، سمعوا عمر بن محمد ، [ ص: 379 ] أخبرنا أحمد بن الحسن ، أخبرنا الحسن بن علي الجوهري ، أخبرنا أحمد بن جعفر القطيعي ، حدثنا محمد بن يونس القرشي ، حدثنا أبو داود الطيالسي ، حدثنا عمارة بن مهران ، عن ثابت ، قال : صلى بنا أنس بن مالك صلاة ، فأوجز فيها ، فقال : هكذا كانت صلاة نبيكم - صلى الله عليه وسلم .

أخبرنا سنقر بن عبد الله بحلب ، أخبرنا يوسف بن خليل ، أخبرنا خليل بن بدر وغيره قالوا : أخبرنا أبو علي الحداد ، أخبرنا أبو نعيم ، أخبرنا عبد الله بن جعفر ، حدثنا أحمد بن عصام ، حدثنا أبو داود ، حدثنا عبد الملك بن ميسرة ، عن عطاء ، عن أبي هريرة قال : وصاني خليلي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بثلاث لا أدعهن - إن شاء الله - : صوم ثلاثة أيام من كل شهر ، وركعتي الضحى ، وألا أنام إلا على وتر . [ ص: 380 ]

أنبأنا به أحمد بن سلامة عن خليل .

سمع أيمن بن نابل ، وهو تابعي ، ومعروف بن خربوذ ، وطلحة بن عمرو ، وهشام بن أبي عبد الله ، وشعبة بن الحجاج ، وسفيان الثوري ، وبسطام بن مسلم ، وأبا خلدة خالد بن دينار ، وقرة بن خالد ، وصالح بن أبي الأخضر ، وأبا عامر الخزاز ، والحمادين ، وداود بن أبي الفرات ، وزمعة بن صالح ، وجرير بن حازم ، وفليح بن سليمان ، والمسعودي ، وحرب بن شداد ، وابن أبي ذئب ، وعبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان ، وزائدة ، وإسرائيل ، وهمام بن يحيى ، ومحمد بن أبي حميد ، وخلقا كثيرا . وينزل إلى ابن المبارك ، وابن عيينة . وقيل : إنه لقي ابن عون ، وما ذاك ببعيد .

روى عنه جرير بن عبد الحميد أحد شيوخه ، وأحمد بن حنبل ، وعمرو بن علي الفلاس ، ومحمد بن بشار ، ويعقوب الدورقي ، ومحمد بن سعد الكاتب ، وعباس الدوري ، وأحمد بن إبراهيم الدورقي ، وأحمد بن الفرات ، والكديمي ، وهارون بن سليمان ، وخلق ، آخرهم موتا محمد بن أسد المديني شيخ أبي الشيخ ، له عنه مجلس ليس عنده سواه .

وعمر إلى سنة ثلاث وتسعين ومائتين ، ولقيه الطبراني ، فعاش بعد أبي داود تسعين عاما ، وهذا نادر جدا ، لم يتهيأ مثله إلا للبغوي ، وأبي علي الحداد ، وابن كليب ، وأناس نحو بضعة عشر شيخا ، خاتمتهم أبو العباس الحجار . قال الفلاس : ما رأيت أحدا أحفظ من أبي داود . [ ص: 381 ]

قلت : قال مثل هذا ، وقد صحب يحيى القطان ، وابن مهدي ، ورافق ابن المديني .

قال عبد الرحمن بن مهدي : أبو داود هو أصدق الناس .

قلت : كانا رفيقين في الطلب بالبصرة . فاستعملا البلاذر ، فجذم أبو داود ، وبرص الآخر .

قال أحمد بن عبد الله العجلي : رحلت - يعني من الكوفة - إلى أبي داود ، فأصبته قد مات قبل قدومي بيوم . قال : وكان قد شرب البلاذر ، فجذم .

قال عامر بن إبراهيم الأصبهاني : سمعت أبا داود يقول : كتبت عن ألف شيخ .

وورد عن أبي داود أنه كان يسرد من حفظه ثلاثين ألف حديث .

قال سليمان بن حرب : كان شعبة يحدث ، فإذا قام ، قعد أبو داود الطيالسي ، وأملى من حفظه ما مر في المجلس .

وروى عبد الرحمن بن أبي حاتم ، عن يونس بن حبيب قال : قال أبو داود : كنا ببغداد وكان شعبة وابن إدريس يجتمعون يتذاكرون ، فذكروا باب المجذوم ، فقلت : حدثنا ابن أبي الزناد ، عن أبيه ، عن خارجة بن زيد ، قال : كان معيقيب يحضر طعام عمر بن الخطاب ، فقال له : يا معيقيب : كل مما يليك . فقال شعبة : يا أبا داود لم تجئ [ ص: 382 ] بشيء أحسن مما جئت به .

قال وكيع : ما بقي أحد أحفظ لحديث طويل من أبي داود ، قال : فذكر ذلك لأبي داود ، فقال : قل له : ولا قصير .

قال علي بن أحمد بن النضر : سمعت ابن المديني يقول : ما رأيت أحفظ من أبي داود الطيالسي .

وقال عمر بن شبة : كتبوا عن أبي داود بأصبهان أربعين ألف حديث ، وليس كان معه كتاب .

قلت : سمع يونس بن حبيب عدة مجالس مفرقة ، فهي " المسند " الذي وقع لنا .

وقال أبو بكر الخطيب : قال لنا أبو نعيم : صنف أبو مسعود الرازي ليونس بن حبيب مسند أبي داود .

وقال حفص بن عمر المهرقاني كان وكيع يقول : أبو داود جبل العلم .

وقال إبراهيم بن سعيد الجوهري : أخطأ أبو داود في ألف حديث .

قلت : هذا قاله إبراهيم على سبيل المبالغة ، ولو أخطأ في سبع هذا ، لضعفوه . [ ص: 383 ]

وقد تكلم فيه محمد بن المنهال الضرير ، وقال : كنت أتهمه ، قال لي : لم أسمع من عبد الله بن عون ، ثم سألته بعد : أسمعت من ابن عون ؟ قال : نعم نحو عشرين حديثا .

قلت : الجمع بين القولين أنه سمع منه شيئا ما ضبطه ، ولا حفظه ، فصدق أن يقول : ما سمعت منه ، وإلا فأبو داود أمين صادق ، وقد أخطأ في عدة أحاديث لكونه كان يتكل على حفظه ، ولا يروي من أصله ، فالورع أن المحدث لا يحدث إلا من كتاب كما كان يفعل ويوصي به إمام المحدثين أحمد بن حنبل ، ولم يخرج البخاري لأبي داود شيئا لأنه سمع من عدة من أقرانه ، فما احتاج إليه .

قال الفلاس : سمعت أبا داود يقول : أسرد ثلاثين ألف حديث ، ولا فخر ، وفي صدري اثنا عشر ألفا لعثمان البري ، ما سألني عنها أحد من أهل البصرة ، فخرجت إلى أصبهان ، فبثثتها فيهم .

قال حجاج بن يوسف بن قتيبة : سئل النعمان بن عبد السلام ، وأنا حاضر عن أبي داود الطيالسي ، فقال : ثقة مأمون . عبد الله بن محمد بن جعفر القزويني ، عن إبراهيم الأصبهاني ، سمعت بندارا يقول : ما بكيت على أحد من المحدثين ما بكيت على أبي داود ، قلت له : كيف ؟ قال : لما كان من حفظه ومعرفته وحسن مذاكرته . [ ص: 384 ]

وقال أحمد بن الفرات : ما رأيت أحدا أكثر في شعبة من أبي داود ، وسألت أحمد بن حنبل عنه ، فقال : ثقة صدوق ، قلت : إنه يخطئ ، قال : يحتمل له .

وقال عثمان بن سعيد : سألت ابن معين عن أصحاب شعبة ، قلت : أبو داود أحب إليك أو عبد الرحمن بن مهدي ؟ فقال : أبو داود أعلم به ، ثم قال عثمان الدارمي : عبد الرحمن أحب إلينا في كل شيء ، وأبو داود أكثر رواية عن شعبة .

وقال العجلي : أبو داود ثقة ، كثير الحفظ ، رحلت إليه ، فأصبته مات قبل قدومي بيوم .

وقال النسائي : ثقة من أصدق الناس لهجة .

وقال ابن عدي : ثقة يخطئ ، ثم قال : وما هو عندي وعند غيري إلا متيقظ ثبت .

وقال ابن سعد : ثقة كثير الحديث ، ربما غلط ، توفي بالبصرة سنة ثلاث ومائتين . وهو يومئذ ابن اثنتين وسبعين سنة .

وقال خليفة : مات في ربيع الأول سنة أربع ومائتين .

قلت : استشهد به البخاري في " صحيحه " .
عرض في كتاب سير أعلام النبلاء
===========3.

فصل ( مخاطبة الله عز وجل لعبده الكافر يوم القيامة )

وأما الكفار فقد قال الله تعالى : إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم [ آل عمران : 77 ] .

وقال تعالى : إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم [ البقرة : 174 ، 1175 ] والمراد من هذا أنه لا يكلمهم ولا ينظر إليهم كلاما ينتفعون به ونظرا يرحمهم به . كما أنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون; لقوله تعالى : ويوم يحشرهم جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم [ الأنعام : 128 ] . وقال تعالى : هذا يوم الفصل جمعناكم والأولين فإن كان لكم كيد فكيدون ويل يومئذ للمكذبين [ المرسلات : 38 - 40 ] . وقال تعالى : يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون [ المجادلة : 18 ] [ ص: 494 ] ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون قال الذين حق عليهم القول ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون وقيل ادعوا شركاءكم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم ورأوا العذاب لو أنهم كانوا يهتدون ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين فعميت عليهم الأنباء يومئذ فهم لا يتساءلون [ القصص : 62 - 66 ] . وقال بعده ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون ونزعنا من كل أمة شهيدا فقلنا هاتوا برهانكم فعلموا أن الحق لله وضل عنهم ما كانوا يفترون [ القصص : 74 ، 75 ] . والآيات في هذا كثيرة جدا .

وثبت في " الصحيحين " - كما سيأتي - من طريق خيثمة ، عن عدي بن حاتم ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان " . " فيلقى الرجل فيقول : ألم أكرمك؟ ألم أزوجك؟ ألم أسخر لك الخيل والإبل ، وأذرك ترأس وتربع؟ فيقول : بلى . فيقول : أفظننت أنك ملاقي؟ فيقول : لا . فيقول : فاليوم أنساك كما نسيتني " . فهذا فيه تصريح بمخاطبة الله لعبده الكافر .

وأما العصاة ففي حديث ابن عمر الذي في " الصحيحين " حديث النجوى - كما سيأتي - عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " يدني الله العبد يوم القيامة [ ص: 495 ] حتى يضع عليه كنفه ، ثم يقرره بذنوبه ، فيقول : عملت في يوم كذا كذا وكذا ، وفي يوم كذا كذا وكذا . فيقول : نعم يا رب . حتى إذا ظن أنه قد هلك ، قال الله تعالى : إني سترتها عليك في الدنيا ، وأنا أغفرها لك اليوم " . 
.......................................
قوله تعالى : إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم

فيه مسألتان :

الأولى روى الأئمة عن الأشعث بن قيس قال : كان بيني وبين رجل من اليهود أرض فجحدني فقدمته إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( هل لك بينة ) ؟ قلت لا ، قال لليهودي : ( احلف ) قلت : إذا يحلف فيذهب بمالي ; فأنزل الله تعالى : [ ص: 113 ] إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا إلى آخر الآية . وروى الأئمة أيضا عن أبي أمامة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة . فقال له رجل : وإن كان شيئا يسيرا يا رسول الله ؟ قال : ( وإن كان قضيبا من أراك ) . وقد مضى في البقرة معنى لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم .

الثانية : ودلت هذه الآية والأحاديث أن حكم الحاكم لا يحل المال في الباطن بقضاء الظاهر إذا علم المحكوم له بطلانه ; وقد روى الأئمة عن أم سلمة قالت : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إنكم تختصمون إلي وإنما أنا بشر ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض وإنما أقضي بينكم على نحو مما أسمع منكم فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار يأتي بها يوم القيامة . وهذا لا خلاف فيه بين الأئمة ، وإنما ناقض أبو حنيفة وغلا وقال : إن حكم الحاكم المبني على الشهادة الباطلة يحل الفرج لمن كان محرما عليه ; كما تقدم في البقرة . وزعم أنه لو شهد شاهدا زور على رجل بطلاق زوجته وحكم الحاكم بشهادتهما فإن فرجها يحل لمتزوجها ممن يعلم أن القضية باطل . وقد شنع عليه بإعراضه عن هذا الحديث الصحيح الصريح ، وبأنه صان الأموال ولم ير استباحتها بالأحكام الفاسدة ، ولم يصن الفروج عن ذلك ، والفروج أحق أن يحتاط لها وتصان . وسيأتي بطلان قوله في آية اللعان إن شاء الله تعالى .



الجامع لأحكام القرآن »
سورة آل عمران »
قوله تعالى إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا 

أدعية وأذكار - الجوامع من الدعاء

  أدعية وأذكار - الجوامع من الدعاء - اللهم خِرْ لي واخْتَرْ لي [يعني حديث: أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان إذا أراد أمرًا ق...